مئوية البابا شنودة الثالث حكيم الزمان 1ـ7عبقرية الخطاب الدينى

90

د. مرفت النمر تكتب:

تحل هذه الأيام الذكرى المئوية لميلاد معلم الاجيال و حكيم الزمان البابا شنودة الثالث الذى وهبه الله الحكمة لتختارة السماء خليفة للقديس مار مرقس الرسول كاروز الديار المصرية ليجلس على الكرسى المرقسى ويكون الخليفة رقم 117 في تعداد باباوات الإسكندرية وعلى الرغم من بساطة البابا شنودة الثالث ونشأته المتواضعة الا أنه أوتى حصافة وكياسة لم يسبقه اليها أي من أباء الكنيسة فتفجرت ينابيع النهضة في الكنيسة على يديه في كل المجالات لينهل منها ليس الأقباط فقط ولكن كانت تلك الينابيع من النهضة تمتد روافدها لينهل منها كل المصرين والعرب وعلى الرغم من تمدد الكنيسة القبطية في العالم كله الا أن البابا منذ أعتلائه الكرسى المرقسى كان هو المنبع الذى ينهل منه الجميع فلقد احب البابا هذا الوطن وضرب بجذورة في ارضه فعشقه الوطن وظلل عليه بمظلة من الحب قلما توجد في هذا الزمان، لم يكن رجل الدين الصارم أو الراهب الزاهد المنعزل بل كان منفتحاً على الجميع فلم يشعر أي من أبناء هذا الوطن أي كانت ديانتة أو طائفته أن البابا شنودة هو “الآخر” المختلف معه فكريا أو عقائدياً فالبابا نشر الحب على الأرض فالتف من حوله الجميع وأصبح الكل من مريديه وحواريه ودراويشة لتمر السنين سرعا ويسترد الله وديعته ورحل البابا عن دنيانا بالجسد ولكن تبقى تعاليمة ومواقفة وكلماته مختلطة بالهواء يتنفسها الجميع فالبابا شنودة تحرر من الجسد ليسكن الصدور وها نحن نستعيد الذكرى العطرة ونعيش مأثر عصر البابا شنودة الثالث حكيم الزمان لنكشف عن جوانب العبقرية في تلك الشخصية المتفردة . و بالتأكيد فإن سيرة البابا شنودة لا تسعها العديد من المجلدات و لكننا سوف نحاول التنوير على أهم المحطات فى حياة البابا الراحل من خلال سباعية مقالات نكتبها تباعا.

عبقرية الخطاب الدينى

كان على قداسه البابا وهو الأديب المتمرس والشاعر المفوه ان يوجد لغة جديدة يستطيع من خلالها ان يقدم التعليم الكنسى الى العامة تلك اللغة التى كان يجب أن تحتوى على المفهوم الروحى  دون التعرض الى مصطلحات وإشكاليات فلسفية يصعب فهمها لهؤلاء العامة 

التواصل مع الواقع

احتوى خطاب البابا على أدق تفاصيل الحياة اليومية للقبطى البسيط، حتى يخيل للمتلقى أنه لا يستمع لبابا الإسكندرية وإنما يستمع الى من يعايش مشاكله ويعانى معاناته وهو ما أدى الى توغل هذا الخطاب فى وجدان الناس كما إن الشعر المنظوم الذى أحكمت قوافيه بحنكة واختيرت بحوره بعناية هو من أقرب الحديث الى قلوب العامة من الناس ولأن البابا شاعر لا يشق له غبار يملك ناصية الكلم بما نظمه من أشعار وما حفظ منه للغير فلقد ساعده ذلك فى صياغة الكثير من المعانى الروحية واللاهوتية فى قوالب شعرية كانت هى الأقرب للوجدان الشعبى بل أنه مع مرور الزمن أصبحت تلك الأشعار محفوظة بل محفورة فى الوجدان القبطى وكأنها أصبحت سفراً روحياً منظوماً داخل الكنيسة 

الكوميديا الروحية

تمتع البابا بروح الفكاهة والدعابة وقام بتوظيفها فى التأكيد على بعض المعانى الروحية من خلال ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً أو اصطلاحاً الكوميديا الروحية وقد يظن البعض أن مداعبات قداسة البابا تأتى بشكل عفوى غير مقصود ولكننا هنا نؤكد أن تلك السمه كانت مرتبه وعن قصد فلاهوت الحداثة على الرغم من أنه تمسك باللغة وحاول تأليهها إلا أن ذلك الخطاب اللاهوتي كان خطاباً كئيباً وهو ما أعطى انطباعا على أن المسيحية ديانة كآبة وحزن فى حين أن السيد المسيح قال ” لاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ ” فكان على قداسة البابا ان يؤكد على ان المسيحية دين فرح وليست ديانة حزن و كآبة والأمثلة كثيرة فلا تخلو عظة للبابا من النكات و القفشات ومن أشهرها أنه في لقاء مع الرئيس مبارك ضم الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف و البابا شنودة رن موبايل البابا عدة مرات فكان يرد باقتضاب( مشغول.. عندي اجتماع.. غدا.. ليس الآن) فضاحكه الشيخ طنطاوي (يا قداسة البابا مافيش لي مكالمة؟) فمازحه البابا (فضلتك التليفون بيضرب جرس.. لما يؤذن حديهولك) ويحكى عن البابا شنودة أنه جاء اليه  تاجر أردني وقال له ( عندي مشروع بحاجة لدعم الكنيسة وهو تعبئة مياه نهر الأردن الذي تعمد فيه السيد المسيح في زجاجات وبيعها في مصر للبركة) فأجابه البابا( طب ما المسيح جاء إلي مصر وشرب من مياه النيل فما رأيك لو عبأناها في زجاجات وبعناها في الأردن) وتعددت قفشات البابا شنودة خلال عظته الأسبوعية في ردوده على أبناءه لينشر جو من البهجة والمرح ففي أحدى العظات صاح شخص من الصعيد بصوت عال :أنت جاموس يا سيدنا( يقصد قاموس) فرد البابا: الرك علي العجول إللي تفهم( يقصد العقول) وسأله أحدهم( أنا بنام في اجتماع قداستكم.. فماذا أفعل؟) فقال البابا(إبقي فكرني أعمل اجتماع وانت صاحي) وسأل آخر( أنا عندي داء النسيان ماذا أفعل؟) أجاب البابا: خايف أقول لك تنسي بكره وسأله أعزب(عندي55 سنة ونفسي أتجوز) فرد البابا( إذا عندك55 يبقي لازم تتجوز أم44) وفى أحدى العظات اشتكى له أحدهم قائلاً( الشيطان دايما بيحاربني وبعمل كل حاجة لمقاومته وبرده الخطية موجودة) فقال البابا ( حاول تتفاهم معاه وقله إبعد عني يا شطشط)وسألته سيدة(هل يمكنني الاعتراف من خلال التليفون) ومن المعروف في تقاليد الاعتراف أن يكون بالكنيسة و يضع القسيس يده علي رأس المعترف فأجابها البابا (ممكن.. بس لما أقرأ لك التحليل ياريت تحطي سماعة التليفون علي راسك) وكان أحد الأشخاص يخاصم أخاه وراح يعترف للبابا وكلما ذكر خطية يقول( أخي السبب فيها) فقال له البابا(خلاص روح إنت وإبعت أخوك يعترف) وسأله صعيدي: يا قداسة البابا أنا صعيدي وبلديات قداستك وجاي مصر علشان اسأل سؤال واحد هل يوم القيامة هنجوم صعايدة زي ما احنا ولا لع) فرد الباب يوم القيامة مش هتقوم صعيدي ربنا هايكون صلحك علي الآخر) في أحد الاجتماعات وجد الترانيم التي ترنم كلها حزينة فقال للمرنمين(يعني هو كل مرة حزايني؟ هو لازم كل الناس حزينة وواقعة في الخطية؟ ما تقولوا حاجة فرايحي للناس الفرحانة)

نقد السلوكيات

ولم يتوقف الامر على قفشات البابا الروحية ولكنه كثيرا ما كان ينتقد بعض السلوكيات بشكل ساخر فيقول (فيه ناس بتراقب الناس بشكل صعب يعني في عزومة واحدة تقول للضيف أنت ما أكلتش من الصنف ده طاب وإيش عرفك أكيد بتعد عليه اللقم وواحد تاني بيقول للضيف كل من اللحمة فيقول له أكلت فيرد عليه كل تاني فيقول له أنا أكلت حتين لحمةفيرد بسرعة لا إنت أكلت3 حتت) و اشتكت له أم من ابنها( الواد مكفر سيئاتي) فقال لها(طيب وإنت ليه يكون عندك سيئات علشان يكفرها الواد) وقالت له احدى السيدات (شهيتي للأكل كبيرة ومهما أكون شعبانة آكل تاني) فقال البابا( الحمد لله إن الكاتدرائية مافيهاش أكل وأوعي تأكلي ذراع اللي جنبك)و سأله بعضهم (ما رأي قداستك في الأصولية) فقال (مش أصول دية) ومن نكاتة الطريفة: نملة تمشت علي منارة كاتدرائية وقال لها: آسفة تقلت عليكي.ويحكي عن قداسة البابا أنه عندما كان تلميذا وفي حصة اللاتيني وبينما كان المدرس’ الجهبذ’ يشرح الدرس علي’ السبورة’ أطلق قداسته طرفة أو تعليقا مضحكا وراح يضحك وضحك كل زملائه بصوت عال وما أن التفت المدرس خلفه حتي سكت الفصل كله مرة واحدة وطبعا الوحيد الذي لم يتوقف هو البابا فما كان من المدرس المشهور بالصرامة إلا أن وضعه في’ القائمة السوداء’ وحتي يضيع عليه’ البابا فرصة مضايقته أتقن اللاتيني وأصبح أكثر تلاميذ الفصل نبوغا في هذه المادة تحديد ومما رواه البابا أيضا عن ذكرياته أيام الدراسة حين كان طالبا أن’ فايز’ وهو طالب وزميل للبابا آنذاك كان مغتربا يسكن في غرفة بمنزل تملكه إحدى السيدات’ الخواجات’ وكانت تؤجره فقط للطلبة الذين يحققون تفوقا حيث كانت تكره’ الحال المايل’ وعدم الجدية في الاستذكار وذات ليلة عاد’ فايز’ متأخرا فسألته الخواجاية( أين كنت..؟ ) فأجابها’ فايز’ علي الفور( عند’ نظير’) ولما رأي’ فايز’ في عيني السيدة نظرة شك وضع يده علي الكتاب الذي يحمله واقسم:’ والكتاب المقدس أنا كنت عند نظير) وفي هذه اللحظة لسوء حظ’ فايز’ سمعوا طرقا علي الباب  ولم يكن الطارق سوي’ نظير’ الذي عاجلته السيدة علي الفور متسائلة:’ فايز’ كان عندك؟ ‘وطبعا’ نظير’ لم يكذب فأجابها: لا.. فثارت السيدة غاضبة وقالت: لقد أقسم لي علي الكتاب المقدس وما أن أشارت إلي الكتاب الذى أقسم عليه فايز حتي أنفجر’ نظير’ ضاحكا فلم يكن الكتاب الذي أقسم عليه’ فايز’ سوي قاموس اللغة الفرنسية

إن الخطاب الدينى  للبابا شنودة الثالث  أعتمد على مفردات كثيرة منها ما هو مخطط له سلفاً ومنها ما جاء نتيجة التفرد الشخصى لقداسته ومنها ما كان يجئ تلقائياً ارتجاليا نتاج مواقف بعينها ولكن هناك بعض السمات العامة لخطاب قداسته الوعظى تتضح في هذا الخطاب جيدا فعلى الرغم مما كان يتمتع به البابا من ثقافة عالية خاصة فى مجال اللغة العربية إلا انه لم يلجأ الى الحديث باللغة الفصحى ولكنه فضل اللغة العامية وأحياناً العامية الدارجة ورفض القوالب الخطابية التقليدية والتي تنفر المتلقى أكثر مما تقربه فأنطلق البابا بلغته الخاصة ليسكن كل القلوب

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك