الأنبا بفنوتيوس عراب الوحدة ــ مصير الوحدة بين الكنائس فى مصر 6ـ7

90

د. مرفت النمر تكتب:

يعتبر الأنبا بفنوتيوس مطران سمالوط هو الشخصية الأهم فى الوفد الذى رافق البابا تواضروس فى زيارته الأخيرة إلى الفاتيكان و ترجع أهمية الأنبا بفنوتيوس إلى انه يمثل تيار التجديد و الحداثة داخل المجمع المقدس فى عهد البابا شنودة و قد أصدر العديد من الكتب التى ناقش فيها قضايا كنسية مهمة و كان له وجهة نظر إصلاحية أدت إلى انه اصطدم بالبابا الراحل ومرة أخرى يقفز أسم الأنبا بفنوتيوس مطران سمالوط على سطح أحداث الوسط الكنسي ويستعيد صدارة النقاشات بعد تصريح جاء ضمن عظته الأسبوعية التي ألقاها نهاية يناير الماضي بمقر إقامته فى سمالوط حيث قال: “إن بعض محبين البابا شنودة لا يعجبهم شيء في البابا تواضروس. ويقولون لو كان البابا شنودة موجودًا لما فعل كذا، لكنه أخذ زمنه، والكنيسة لن تدار من القبر، وكلنا خدام المسيح”. تسبب التصريح في أزمة كبيرة تداولتها منصات التواصل الاجتماعي واعتبرها أنصار البابا شنودة “تجاوزًا” في حق البطريرك الراحل و أن مطران سمالوط أراد أن يثأر لنفسه من البطريرك المتنيح و يهيل التراب على تاريخه و قبل الولوج إلى قراءة دلالات وجود المطران فى الوفد المرافق للبطريرك الذى احتوى على عشرة مرافقين من الأساقفة و الأراخنه و الخدام ينبغى علينا ان نمر سريعاً على أهم المحطات فى تاريخ الصراع بين بفنوتيوس و البابا شنودة

صراعات المطران

ما صرح به مطران سمالوط ليس بجديد عليه  فقد دأب على خوض معارك فكرية خارج سياق التقليد في حياة البطريرك الراحل البابا شنودة الثالث من خلال كتبه التى كانت معارك بين دفتى كتاب  ففى  كتابه “حتمية النهوض بالعمل الكنسي” انتقد لائحة انتخاب البطريرك المعروفة آنذاك بـ”لائحة 57″و التى تنظم انتخاب البطريرك فى الكنيسة و تمر بعدة إجراءات أخرها إجراء قرعة هيكلية وهي الخطوة الأخيرة في اختيار البابا بالاقتراع فاعتبرها مطران سمالوط بدعة لا أساس لها لاهوتيا مما دفع البابا شنودة، وقتذاك، إلى مصادرة الكتاب لذلك لم يكن غريبًا تصريح المطران الذي سبق ترشحه للكرسي البابوي خلفًا للبابا شنودة الثالث في مارس 2012 لأنه صاحب رؤية محددة ويفكر خارج الصندوق بشكل واضح ويرى أن الكنيسة لها دور مجتمعي  بعيدًا عن السياسة  ويعد ذلك محورًا لعمله في بلدته سمالوط التى  ترتفع بها نسبة الفقر ويقل معدل التعليم، و على الرغم من ذلك وفي أعقاب تصريحه المشار إليه سلفاً فقد اعتبره أنصار البابا بأنه تصريح يتضمن تصفية حسابات وغير واقعي وغير ملتزم وأقرب إلى الشماتة في الموت.وعلى الرغم من ذلك فإن بفنوتيوس  له رؤية لا يتراجع عن إعلانها ولديه من الشجاعة أن يواجه ذلك. و يظهر هذا جلياً وواضحاً فى كتابه “هل الأسقف رئيس أعمال الكهنوت أم رئيس سر الكهنوت” و الذى كان موجهاً للبابا شنودة بشكل صريح حيث يرى أن البابا ما هو إلا أسقف يتساوى مع إخوته الأساقفة و هو المتقدم بينهم دون تمييز و أن المسيح هو رئيس الكهنوت و ما البابا إلا منظم داخل الكنيسة لتلك الأعمال. و لا تنتهى معارك بفنوتيوس عند هذا الحد فقد سبق أن خاض معركة “تناول المرأة الحائض” عندما طرح كتابه “المرأة في المسيحية” و الذى صدر فى عام 2016 خلافًا للرأي الكنسي الشائع في هذه القضية. مما استدعى تدخل المجمع المقدس للكنيسة، وتسمية رأي المطران بـ “البدعة”

تقويض مسيرة الإصلاح

ان ما يجري من سجال بشأن ما اعتبره تيار المحافظين داخل الكنيسة “أنصار البابا شنودة” تجاوزًا فى محاولة منهم للبحث عن موضع قدم تحت  دائرة الضوء فى مواجهة فكرة الحفاظ على مسيرة “الإصلاح الكنسي” التي ينتهجها البابا تواضروس الثاني منذ توليه مهام الكرسي المرقسي يجعلنا نمعن النظر فى هذا الصراع للوقوف على حقيقته فمن المعروف و المستقر كنسياً إن كل بطريرك يجري اختياره من الله في فترة زمنية معينة، لأجل أن تنفذ من خلاله أهداف بعينها. فالبابا شنودة أتى للكنيسة بعد فترة ضعف وأعاد نهضة الكنيسة والروح المسيحية الأصيلة.و لكننا لا نستطيع أن نغض البصر عن أن هناك ثمة أشياء تركت وتحتاج إلى تعديل، والبابا تواضروس يقوم حاليًا بهذا الدور و مما لا شك فيه ان الأجواء الكنسية قد تغيرت و طريقة التعامل فى تلك الأجواء قد اختلفت و لا نستطيع ان نولى وجوهنا عن عصر جديد بآليات جديدة يحتاج إلى نظم إدارة غير التى كانت فى عهد البابا شنودة و لا ينبغى ان نتخذ من تبجيل البابا الراحل تكأة للجمود و التخلف الكنسى و عدم مواكبة العصر فالسجال الدائر حاليًا بين معسكرين داخل الكنيسة لن يعطل مسيرة الإصلاح الكنسي التي ينتهجها البابا تواضروس حاليًا فالبطريرك الحالي لديه سعة أفق، وسعة صدر، و لكن على الرغم من ذلك قد يؤخر هذا الجدل المستمر الإصلاح قليلًا، فما يمكن إنجازه في عام، قد يستغرق عامين. وبالتالي، يجب ألا يتحول الانحياز إلى البابا شنودة إلى استثمار له، مثلما يحدث في عالم السياسة.

الإصلاح أساس الوحدة

لا شك أن الإصلاح داخل الكنيسة هو عمود الخيمة فى الوحدة مع الكنيسة الكاثوليكية فالحوار مع الآخر يتطلب منا أولاً ترتيب و تنظيم البيت من الداخل و هو ما يتم داخل الكنيسة القبطية على قدم وثاب و من هنا أصاب البابا تواضروس فى اختيار الأنبا بفنوتيوس ضمن الوفد المرافق له فى زيارته إلى الفاتيكان بل نستطيع القول بأن مطران سمالوط مؤهل لإدارة الحوار بين الكنيسة الكاثوليكية و الكنيسة القبطية خلفاً للمتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط و الذى كان مسئول الحوارات المسكونة فى الكنيسة القبطية إلا انه كان متصلب الرأى غير مرن فى تلك الحوارات و هو ما أدى إلى تجميد تلك الحوارات لأكثر من أربعون عاما، و يعتبر بفنوتيوس هو المؤهل الوحيد بين آباء المجمع المقدس لإدارة تلك الحوارات لما يحمل من فكر إصلاحي و تنويرى يقود الكنيسة القبطية إلى دائرة التوافق المسكونى و يعيدها مره أخرى إلى أحضان الكنيسة الجامعة ليكون بحق عراب الوحدة فى الكنيسة القبطية 

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك