مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

أدعياء الليبرالية تكشفهم مواقفهم

الكاتب الأستاذ طلعت رضوان يكتب :

أليستْ الدساتير(الوضعية) من بدع (العلمانية الكافرة)؟

فهل هذا القول ينطبق على مصركما قال ليبرالى/ إسلامى؟

    أثناء الانتخابات الفرنسية التى تمّـتْ فى إبريل 2017، أسفر أدعياء الليبرالية عن عقلياتهم الحقيقة، وعن مستوى تفكيرهم المُـناقض لمزاعهم بأنهم مع الليبرالية بشقيها (الفكرى والسياسى) ولكن (عند الإمتحان) أى عند المواقف (الجادة) التى تتطلب التعبير عما (يؤمنون) به، تتكشف مواقفهم الحقيقة، أى أنهم لا (يؤمنون) بالليبرالية.  وكثيرًا ما توقفتُ أمام ظاهرة العدد الكبير جدًا من المتعلمين (المحسوبين على الثقافة المصرية السائدة) وصنــّـفهم الإعلام على أنهم (من الليبراليين) بينما التدقيق فيما يكتبونه، يكشف عن عقلية أصولية، لا تختلف عن عقلية شيوخ الأزهر. وآخر ما قرأته فى هذا الشأن مقالا لصاحب (عمود يومى) فى أكبر صحيفة حكومية، هاجم فيه زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسى (ماريان لوبان) والتى جاء ترتيبها الثانية فى استطلاعات الرأى حول نتائج الانتخابات الفرنسية الأخيرة.

    وكعادة الشيوخ وصف حزبها بأنه (يمينى متطرف) بل إنه تجاوز المنطق (الرياضى) عندما وصف (لوبان) بأنها ((مارقة على أسس ومؤسسات الجمهورية الفرنسية)) أما لماذا هى (مارقة) من وجهة نظر الكاتب (المصرى)؟ أضاف سيادته ((فهى تــُـخالف أسس الجمهورية الفرنسية، عندما تتحدث بخطاب مُـفعم بالإسلاموفوبيا)) أما لماذا هى تشعر بالخوف؟ جاء كلام الكاتب (المصرى) بالنص ((حين تتعرّض الجمهورية الفرنسية للأضرار الثقافية والفكرية التى أحدثها الإسلام ببلدها)) وعند تحليل هذا الكلام، يتوقف العقل الحر ليسأل :

    أولا: هل من حق أى كاتب أوروبى أنْ يصف الأحزاب الإسلامية بالتطرف؟ أم ليس من حقه؟ وأليس هذا الوصف هو ما تردّد كثيرًا فى الثقافة المصرية والعربية السائدة؟ وذلك ما مراعاة أنه يدخل ضمن إطار الأحكام القيمية على الغير؟

    ثانيـًـا : وهل من حق الكاتب المصرى أنّ يصف (ماريان) بأنها (مارقة)؟ ومارقة على أى شىء؟ إنها مارقة ((على أسس ومؤسسات الجمهورية الفرنسية)) فكيف تصوّر سيادته أنّ قراءه من السذج؟ ولماذا لم يتوقع أنه قد (يتصادف) أنْ يقرأ له شخص ما يستخدم عقله؟ حيث أنّ تعبير سيادته يتناقض مع حقيقة أنّ حزبها حاز شعبية كبيرة بين أبناء الشعب الفرنسى، بدليل ترتيبه (الثانى)

    ثالثــًـا : كيف لا تنزعج (لوبان وأعضاء حزبها) من التيار الإسلامى فى فرنسا، الدولة المؤسسة على آليات العلمانية؟ وهى الآليات التى فصلتْ (منذ عشرات السنين) بين المؤسسات الدينية والمؤسسات السياسية، بينما يرى الأصوليون الإسلاميون (من العرب وغيرهم) ضرورة خلط ما هو دينى بما هو سياسى كما فى بلادهم، التى لا تعترف بهذا الفصل، ويسود فيها تدخل المؤسسات الدينية، ليس فى المؤسسات السياسية (فقط) وإنما فى أدق خصوصيات الإنسان، مثل نقل الأعضاء البشرية، ومثل تحديد نوع الجنين ولون شعره وبشرته، ومثل تطبيق علم الهندسة الوراثية.. إلخ كما أنّ المؤسسات الدينية تفرض على المواطن : ماذا يقرأ وبالتالى تــُـصادر ما لا يـُـعجبها من كتب. أليس هذا أحد أسباب خوف حزب (لوبان) على أسس الجمهورية الفرنسية؟  

    رابعًـا : تناقض الكاتب المصرى مع نفسه، حيث بدأ (عموده اليومى) قائلا ((الأصل فى فكرة العلمانية هو تحرير الدولة من سيطرة الدين..إلخ)) أليستْ تلك هى الحقيقة التى حققتْ التقدم والتنمية ومجتمع الرفاهية، بل وحققتْ أهم إنجاز، أى الحرية الفردية والسياسية للمواطن؟

    خامسًـا : لماذا أضاف بعد الفقرة الأخيرة ((وصحيح أنّ هناك (علمانيات مؤمنة) ولكن ليست فيها هيمنة للدين على الدولة أوعلى الفكر)) وطالما توجد علمانية (مؤمنة) فإنه وفقــًـا لقاعدة (مفهوم المخالفة) القانونية، فإنّ سيادته يوحى بوجود علمانية (كافرة) ليصل إلى مبتغاه وهو أنّ العلمانية (المؤمنة) ليست فيها هيمنة للدين على الدولة أو الفكر، وفق نص كلامه. وأعتقد أنّ كلامه شديد الخطورة لو طبقناه على واقعنا المصرى، حيث أنّ عتاة الأصوليين يعتبرون الدستور الوضعى، من نتائج (العلمانية الكافرة) فكيف يتم تصنيف التجربة المصرية التى شهدتْ صدور أكثر من دستور (وضعى)؟ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنّ هذا لم يمنع الكهنوت الدينى (وعلى رأسه مؤسسة الأزهر) من ((هيمنة الدين على الدولة وعلى الفكر))  

    والسيد كاتب العمود اليومى سخر من السيدة (لوبان) لأنها ارتدتْ الايشارب فوق رأسها، حين زارتْ المفتى أثناء رحلتها الأخيرة لبيروت. فلماذا سخر منها بسبب الايشارب؟ أو ليس ما فعلته يدخل فى أطار احترامها لعقيدة المفتى؟  

    كل ما سبق كان الهدف منه الوصول إلى المحور الأساسى للمقال، وهو موقف (حزب لوبان) من ((تدفق الهجرة القادمة من كل دول أوروبا إلى فرنسا)) وتأثير ذلك على الاقتصاد الفرنسى، وعلى الثقافة القومية الفرنسية. وربط الكاتب ذلك بما أطلق عليه ((ظاهرة العداء الشديد للمهاجرين إلى فرنسا، وجزء كبير منهم من المسلمين)) واختتم عموده قائلا ((نحن لا نملك تحديد أسس القانون والجمهورية فى فرنسا، ولكننا – بالقطع – ضد أنْ يتم (تقييض) مبادىء الجمهورية طبقــًـا للسياسة أو الميول والأهواء. والخطورة أنّ لوبان تطرح أفكارها بشعارات معلنة بعضها يتكلم (عن السيادة) وبعضها الآخر (عن الكرامة الإنسانية) ولكن بمضمون يـُـكرّس معنى العداء للأجانب، وهذا أمر ينبغى ألا يخفى رغبة العداء للمسلمين)) (أهرام2إبريل2017- ص12- عمود بعنوان “فرنسا وعلمانية الدولة”)

    أليس تعبير ((رغبة العداء للمسلمين)) من مخلفات الأصوليين الإسلاميين الذين يُـفسّرون تصرفات الأوروبيين الحريصين على عدم تشوه ثقافتهم القومية؟ بثقافات (وافدة) تتناقض مع أعرافهم وسلوكياتهم ومُـجمل طريقة معيشتهم اليومية؟ أو ليس من حق كل مجتمع أنْ يُـدافع عن خصوصيته الثقافية؟ وهل من حق أى كاتب أوروبى أنْ يعترض أو يتدخل فى خصائص الدول التى تــُـطبق الشريعة الإسلامية؟

  وإذا كان كاتب العمود اليومى هاجم السيدة لوبان وأعضاء حزبها، فماذا لو تخيلنا أنّ كاتبـًـا مصريـًـا كتب يـُـحيى ويشيد بالسيدة لوبان وحزبها، وبكل الأحزاب الأوروبية، التى يـُـدافع أعضاؤها عن خصوصيتهم الثقافية؟ أليس هذا معناه أنّ فى مصر من يحترم ثقافات المختلفين مع ثقافته؟ وأليس هذا مدعاة لأنْ يجعل الأوروبيين يحترموننا كما نحترمهم؟ ويتجاهل متعلمونا القاعدة الرياضية البسيطة : مـَـنْ يحترم معتقدات الآخرين وخصوصياتهم، يجب أنْ يتلقى نفس النتيجة مـِـنْ المختلفين معه. فلماذا هذا التجاهل ولمصلحة من؟

طلعت رضوان

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك