مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

النقد الموضوعى المُـتجرّد من الأيديولوجيا

الكاتب الأستاذ طلعت رضوان يكتب :

   قليلون الذين يتجرّدون من أهوائهم وميولهم ومعتقداتهم الشخصية، فى تقييم (وليس تقويم كما يكتب العروبيون) كتابات البعض، لأنّ الغالب هوإما المديح أوالتجريح، على طريقة ديون العرب (الهجاء والمديح) وتشهد الثقافة السائدة (سواء فى مصرأوفى الدول العربية) ظاهرة تحول (المثقف) الذى يبدأ حياته مع (العقل الحرالناقد) ثمّ ينتهى إلى مرحلة تقليد آخرين، وتكون الكارثة أشد عندما يكون التقليد لصالح الأصولية الإسلامية، وهذا ما فعله أدونيس، ومع مراعاة أنّ الشاعرالسورى الكبير (على أحمد سعيد) الذى اختارلنفسه اسم أدونيس والمولود فى 1 يناير193، يُعتبرمن كبار الشعراء الذين كتبوا باللغة العربية. كما أنه ساهم فى تجديد الشعرالعربى وتحديثه، عندما تخلى عن كل معوقات الشعرالعربى القديم، وبذلك كان أحد المؤسسين الكبارلشعرالحداثة. ولعلّ اختياره لاسم (أدونيس) ذات دلالة مهمة، فذاك الاسم ارتبط باسم أحد الآلهة الكنعانية/ الفينيقية، لأنّ كلمة (أدون) تعنى (سيد) وتعنى (إله) مُــضافـًا إليها (سين التنوين) فى اللغة اليونانية القديمة. وقد تأكــّـد ذلك الاختيارللاسم عندما كتب كتابه المهم (الثابت والمُــتحول- بحث فى الاتباع والإبداع) بأجزائه الثلاثة، لأنه فى معظم فصول هذا الكتاب اختلف مع الثقافة العربية السائدة، حيث تبنى مفهومًا عصريًا لحرية الإنسان، يختلف عن المفهوم السائد فى التراث العربى/ الإسلامى، وعن المفهوم العصرى لحرية الفكركتب ((فكرالإنسان لايولد إلاّفى تعارض مع فكرإنسان آخر، فإذا لم يكن تعارضـًا لايكون فكر، بل يكون تقليد، وفى أحسن الأحوال شرح وتفسير)) (الثابت والمتحول- ج1)

    ومن أقواله المهمة عن الإنسان الرافض للاختلاف والذى كوّنَ صورة لمن تصوّرأنه غريمه كتب أدونيس موجّهًا خطابه لهذا الإنسان ((أنتَ لاتكرهنى. أنتّ تكره الصورة التى كوّنتها عنى،  وهذه الصورة ليست أنا إنما هى أنت)) وفى موضع آخركتب عن حالة الاستسلام التى يعيشها (الإنسان العربى) فعبّرأدونيس عن هذا الوضع البائس بكلمات قليلة ولكنها ثرية ببلاغتها فكتب ((ما هذه القدرة عند العربى على تحمل وجود هوأكثرمن موت، وأقل من حياة)) وعن الأصوليين الإسلاميين ومعهم العروبيين الذين يتمتــّـعون بالمُــنجزالتكنولوجى الذى أبدعه العلماء الأوروبيون والهنود والصينيون واليابانيون والروس، ومع ذلك يُعلنون معارضتهم لثقافة تلك الشعوب، فكتب أدونيس ((إننا اليوم نــُمارس الحداثة الغربية على مستوى تحسين الحياة اليومية، لكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكروالعقل، أى أننا نأخذ المُــنجزات ونرفض المبادىء، أى نرفض عقلية من ابتكرهذه المُــنجزات (لذلك) يبدوأننا إزاء انهيارالشخصية العربية)) (الثابت والمتحول- ج3) وكما كتب المفكرالسعودى الكبيرعبد الله القصيمى فى كتابه المهم (العرب ظاهرة صوتية) وأدان فيه التراث العربى/ الإسلامى الذى يعتمد على (الكلام) دون أى إنجازحضارى، كذلك فعل أدونيس فى جملة شديدة الكثافة فكتب ((سابقــًا كانت شهرزاد تحيا بقوة الكلام، واليوم هونفسه الذى يقتـلها)) وشرح وجهة نظره فى موضع آخر فكتب ((بما أنّ الثقافة العربية بشكلها الموروث السائد، ذات مبنى دينى، فهى ثقافة اتباعية، لا تؤكد الاتباع وحسب، وإنما ترفض الإبداع وتــُدينه. ودون أى تقدم حقيقى لايمكن أنْ تنهض الحياة العربية ويُبدع الإنسان العربى، إذا لم تنهدم البنية التقليدية السائدة للفكرالعربى)) (الثابت والمتحول- ج1) وعمّق فكرته فى الجزء الثالث حيث كتب ((من يُعيد تقييم الثقافة العربية اليوم- وبخاصة ماضيها- هوكمن يسيرفى أرض ملغومة، ويجد نفسه مُحاصرًا بالمُسلــّمات، بالقناعات التى لاتتزحزح، بالانحيازات، بالأحكام المُسبقة، وهذه كلها تتناسل فى الممارسة شكوكــًا واتهامات وأنواعًا قاتلة من التعصب، فليس الماضى هومن يسود الحاضر، بقدرما تسوده صورة مُظلمة تتكوّن باسم الماضى)) ومن أقواله المهمة ((لاتــُقاطع صديقــًا وإنْ كفر. ولاتركن إلى عدووإنْ شكر))

    وعندما حضرمعرض القاهرة الدولى للكتاب (منذ عدة سنوات) قال إنه لايوجد مفكرواحد (عربى) يمكن أنْ تضعه إلى جانب مفكرى الغرب، وإنما يوجد فقهاء ليستْ لديهم ابتكارات، ويُـقلــّـدون القدماء، وبالتالى فإنّ هذه القضية يجب أنْ تكون الشغل الشاغل لكل عربى ومسلم. وأدان المُـتطرفين الإسلاميين. وأنّ الدولة الإسلامية قامت على العنف وعلى اقصاء المُـختلف. وعلى (موقع الجزيرة نت) دعا بشارالأسد إلى الاستقالة، والمعارضة إلى الابتعاد عن الدين. وأشارإلى عدم وجود قوة ليبرالية أويسارية فى سوريا تستطيع التأثيرلخلق نظام جديد. وأنّ النظام السورى سوف يسقط، والقوة التى ستحل محله إما الإخوان المسلمين أوأى فصيل دينى. وقال فى رسالة مفتوحة نشرها فى صحيفة السفيراللبنانية أنّ حزب البعث العربى الاشتراكى لم ينجح فى البقاء مُهيمنـًا على سوريا بقوة أيديولوجية، وإنما بقوة قبضة حديدية أمنية.

    وكل ماسبق شىء طيب يُحسب له، ولكنه كان يلجأ إلى استخدام لغة الأصوليين الإسلاميين عندما طالب (فى ندوة معرض الكتاب) بضرورة ((تجديد وتأويل الدين)) وهى قضية خاسرة ولن تــُحقق أى تطورفكرى أوتنموى، لسبب بسيط حيث أنّ كل العاملين بمؤسسات شئون التقديس– وفق تعبيرالمرحوم خليل عبد الكريم– يستشهدون بالقرآن وأحاديث محمد وسيرته، وبالتالى– كما حدث طوال السنوات الماضية- كان الحواربين الأصوليين المُــتشدّدين وبين من أطلقوا على أنفسهم (يسارالإسلام) أو(الإسلام اليسارى) أشبه بحوارالطرشان، لأنّ كل فريق مُــتمسك بالنصوص التى يعتقد بصحتها وأنها هى التفسيرالصحيح للإسلام، ولذلك لم أندهش عندما قال أدونيس ((الله ليس بحاجة لمن يُدافع عنه، بل إلى من يُـضيىء الدروب إليه، بالفكر المُـنفتح المُحب والعمل الصالح)) فهذا كلام ردّده كثيرون من الشيوخ ولاجديد فيه. وقال أيضًا ((المسلمون يُـقلصون الهوية الإسلامية برفض الآخرونبذه مما يتعارض مع طبيعة الوحى الإسلامى المُنفتح كليا على الآخر، الإسلام ائتلاف وإيلاف وهوالمُختلف المؤتلف)) وهذا النص عليه ملاحظات : 1- قوله (الهوية الإسلامية) فهذا خطأ علمى، لأنّ (الهوية) تكون للوطن وليس للدين، والدليل على ذلك وجود أديان عديدة داخل (وطن واحد) ووجود (دين واحد) فى العديد (من الأوطان) 2- زعمه أنّ (الوحى الإسلامى مُـنفتح على الآخر) وهذا غيرصحيح بدليل الآيات العديدة المُـنتشرة فى معظم سورالقرآن التى تؤكد على نفى الآخرالمُـختلف وأطلق عليهم:  (كفار، مشركين، أهل كتاب إلخ) والتحريض على كراهيتهم بل وقتالهم. وتأكــّدتْ مرجعية أدونيس الدينية عندما كتب ((المفكرون يُدمرون باسم النص الدينى ما أعطاه الخالق للإنسان تمييزا له عن سائرالمخلوقات مثل العقل والحرية..إلخ. وفى محاولة منه للدفاع عن حرية العقيدة قال إنّ الإسلام ليس فيه إجبار، لأنّ الهداية من عند الله. ثمّ استشهد بآية ((إنكَ لاتهدى من أحببتَ ولكن الله يهدى من يشاء)) (القصص/56) فكلام أدونيس عليه ملاحظات 1- أنّ الخالق ميّز الإنسان هوالكلام السائد لدى الإسلاميين (معتدلين ومُـتشدّن) ولافى جديد فيه. 2- القول بأنّ الإسلام منح الإنسان (الحرية والعقل) غيرصحيح لأنّ القرآن صريح فى التفرقة بين البشرعلى أساس إنسان (حر) وإنسان (عبد) وهوما عبّرعنه فى العقوبات قائلا ((الحربالحروالعبد بالعبد)) (البقرة/178) بل إنّ عقوبة الأنثى تختلف عن عقوبة الذكر، حيث أضاف فى نفس الآية ((والأنثى بالأنثى)) هذا بخلاف الآيات العديدة التى كرّستْ ونظــّمتْ منظومة (ما ملكتْ أيمانكم) لحق الجمع بين أربع زوجات وبين أى عدد من الإماء (= السيدة أو الفتاة العبدة) 3- الاستشهاد بالقرآن وسيلة أى داعية إسلامى، فما الفرق بين الداعية الإسلامى والشاعر؟

    وظهرتْ أعراض الداعية الإسلامى على أدونيس أكثرعندما أيّـد الفاشية الدينية التى قادها الخمينى فى إيران. واعتبرأنّ ما حدث ((عودة الإسلام إلى تأكيد ذاته وقوته)) (نقلا عن المفكر السورى صادق جلال العظم فى كتابه (ذهنية التحريم) الصادرعن داررياض الريس للنشر- نوفمبر92- ص67) وكان تعليق صادق العظم ((لايجد أدونيس أى حرج فى مناقشة (الثورة) الإيرانية وإسداء النصح لها بلغة إسلام القرون الماضية والبعيدة)) وبناءً على ذلك صنـّـفه على أنه ((داعية من دعاة الاستشراق الإسلامى (كتبها الإسلامانى) المعكوس)) ونقل عن أدونيس قوله ((بديهى أنّ سياسة النبوة كانت تأسيسًا لحياة جديدة ونظام جديد، وأنّ سياسة الإمامة أو الولاية اهتداءً بسياسة النبوة أوهى إياها– استلهامًا لامطابقة- ذلك أنّ لكل إمامة أوولاية عصرًا خاصًا، وأنّ لكل عصرمشكلاته الخاصة. هكذا تكمن أهمية سياسة الإمامة، بل مشروعيتها فى مدى طاقتها على الاجتهاد لاستيعاب تغيرالأحوال وتجدد الوقائع بهدى سياسة النبوة)) (مجلة مواقف– العدد 34- شتاء 79- ص158) وعقد صادق العظم مقارنة بين هذا النص الأدونيسى فى عام 79، وبين موقف (أدونيس) فى عام 69حيث كتب ((ما نطمح إليه ونعمل له كثوريين هوتأسيس عصرعربى جديد . نعرف أنّ تأسيس عصرجديد يفترض بادىء ذى بدء الانفصال كليًا عن الماضى. ونعرف كذلك أنّ نقطة البداية فى هذا الانفصال– التأسيس- هوالنقد: نقد الموروث ونقد ما هوسائد شائع. لايقتصردورالنقد هنا على كشف أوتعرية ما يحول دون تأسيس االعصرالجديد وإنما يتجاوزه إلى إزالته تمامًا. إنّ ماضينا عالم من الضياع فى مختلف الأشكال الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية. إنه مملكة من الوهم والغيب تتطاول وتستمر، وهى مملكة لاتمنع الإنسان العربى من أنْ يجد نفسه وحسب، وإنما تمنعه كذلك من أنْ يصنعها. ولما كانت بنية الثقافة والحياة العربيتيْن السائدتيْن تقوم فى جوهرها على الدين، فإننا نفهم أبعاد ما يقوله ماركس من أنّ (نقد الدين شرط لكل نقد) وبالتالى نستطيع القول أنّ النقد الثورى للموروثات العربية شرط لكل عمل ثورى عربى)) (مجلة مواقف- العدد6- نوفمبر- ديسمبر69)  

    لذلك لم تكن مفاجأة– وفق هذا التحول من شاعرإلى داعية إسلامى أنْ يكتب ((فى مجتمع كالمجتمع العربى– بُـنى بشكل كامل على الدين- ولم تتطورفيه أشكال الانتاج وأدواته بحيث تؤدى إلى نشوء الوعى الطبقى، يظل هذا العامل مُـحركــًا أول، لذلك لايمكن تفسيرحركته بمقولة الطبقة أوالوعى الطبقى، أوبمقولة الاقتصاد، مما يعنى أنّ هذا الصراع فى المجتمع العربى، كان فى طابعه الغالب أيديولوجيًا دينيًا)) (مجلة مواقف– العدد34- شتاء79) وكان تعليق صادق العظم ((لايختلف هذا الطرح فى شىء عن الحكمة الاستشراقية التى نجدها عند هاملتون جيب وماكدونالد وماسينيون وغيرهم حول طبيعة الشرق ومحرّكات تاريخه، مما يؤدى بأدونيس إلى مزيد من التشبه بهؤلاء المستشرقين بإطلاق صرخته ((سحقــًا للصراع الطبقى والنفط والاقتصاد)) (مجلة مواقف- المصدرالسابق) وكان تعليق صادق العظم أنّ أدونيس لم يكتف بتبعيته لميتافيزيقا الاستشراق وإنما– أيضًا- برفضه للقومية والعلمانية والاشتراكية والماركسية والشيوعية والرأسمالية لسبب مصدرها الغربى، خاصة عندما كتب أدونيس أنّ ((خصوصية الغرب هى التقنية لا الإبداع)) كما أنّ أدونيس تعصّب ل (شرقه) كما تعصّب كثيرون من المستشرقين ل (غربهم) لذلك كتب أدونيس أنّ ((الفكرالغربى يُرسى الواقع فى أفق المادة، فى حين يُرسيه الفكرالشرقى فى أفق الوحى)) (مجلة مواقف- المصدرالسابق) ومع ملاحظة ما كتبه صادق العظم من أنّ أدونيس ((قومى سابق، وعلمانى سابق، واشتراكى ناصرى سابق، ويسارى مُــتطرف سابق أيضًا))

    ونظرًا لهذا التأرجح (بين عام69وعام79) وقع أدونيس فى اتناقض عندما كتب ((أمام الفكر الغربى يأخذكَ النظام، النسق، المنهج. وأمام الفكرالشرقى تشعر- على العكس- أنكَ فى حضرة الهاوية، حضرة السديم. والخلاق المشرقى هونفسه سديم، لذلك تشعرإزاءه كأنكَ مأخوذ بالرعب)) (مواقف العدد 36)

    وفى مجلة مواقف العدد 43 خريف 81 كتب أدونيس مقالاردّ فيه على النقد الذى وجّهه صادق العظم لبعض كتابات أدونيس. فاتهم صادق العظم بأنه قال إنّ إدواد سعيد ((عميل للمخابرات الأمريكية وللسياسة الأمريكية إجمالا)) فى حين أنّ ما كتبه العظم أنّ إدوارد يسعى لتحسين شروط التبعية العربية للسياسة الأمريكية والتخلص من جوانبها السيئة. واستند فى ذلك إلى ما كتبه سعيد فى كتابه الاستشراق ((يُشكــّـل العالم العربى اليوم تابعًا فكريًا وسياسيًا للولايات المتحدة. وهذه العلاقة لاتبعث على الأسى بحد ذاتها، لكن الشكل المُحدّد الذى تتخذه علاقة التبعية هذه (هو) الذى يبعث على الأسى)) فهل أخطأ صادق العظم عندما كتب أنّ إدوارد يسعى لتحسين شروط التبعة لأميركا؟ خاصة وقد ذكرأنّ إدوارد– نفسه لايخفى عضويته فى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، أى بالهيئة المسئولة عن إصدارمجلة (فورين أفيرز) وغيرها من الكتب والنشرات المتعلقة بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية. فلماذا وشى أدونيس بالعظم وحرّف كلامه؟ اكتفى العظم بأنْ ذكرالواقعة ولم يدخل فى منطقة الهوى والضمير، فكتب ((يبدولى أنّ تهمة الايحاء بأنّ إدواد سعيد عميل للمخابرت الأمريكية، أتتْ نتيجة فهمى وتفسيرى لوجهات نظرمؤلف كتاب (الاستشراق) وحرص إدوارد سعيد على سلامة الاستثمارات والتوظيفات الأمريكية الهائلة فى الشرق الأوسط، وحرصه الأشد على (تفهم) صانعى السياسة الأمريكية ومستشاريهم من الخبراء فى شئون المنطقة، بأنّ توظيفات امبرطوريتهم سوف تبقى مبنية على أسس من الرمال ما لم يقلعوا عن معالجة مشكلات الشرق الأوسط ..إلخ) (ذهنية التحريم- ص91)

    وأشارصادق العظم إلى أنّ أدونيس استند فى رده فى القسم المعنون (العقل المُـعتقل) إلى أفكارالمفكرالبولونى (شيسلاف ميلوش) المُعادى للشيوعية فى كتابه المعنون (العقل المُعتقل) الصادرفى أوائل الخمسينات عن مرحلة الحرب الباردة (ص97) وقد توضّح رأى أدونيس عندما كتب عن ((المذاهب الأيديولوجية المادية والعقلانية التى تــُفسّرالدين على أنه انعكاس لواقع مادى)) أى أنه ضد التفسيرالمادى لحركة التاريخ، وأنّ أى دين هوانعكاس لواقعه البيئى والاجتماعى ولزمنه، مثلما فعل طه حسين فى كتابه (مرآة الإسلام) كما أنّ أدونيس تذمّرمن نقد العظم له وأنه أصبح: مفكرإسلامى (كتبها إسلامانى) مُـتعصّب للعودة إلى الإسلام، مُـتعصّب لروحانية الشرق، يُعيد انتاج أسطورة الخصائص مقلوبة لصالح تفوق الشرق بروحانياته على الغرب)) وتساءل العظم: ((هل فى هذه الاتهامات التى وجّهتها لأدونيس والأحكام التى تنطوى عليها (استهانة بكرامة الشخص البشرى) كما كتب أدونيس؟ وما معنى إعلان أدونيس ((إفلاس جميع الأفكار والنظريات لكونها تمّتْ خارج المناخ الدينى عندنا)) (مواقف- العدد36- شتاء80) وفى بيان الحداثة فإنّ أدونيس لايترك مجالا لذرة من الشك فى أنّ الإبداع مُـتحقق أولاوأساسًا فى الشرق وليس فى الغرب فكتب بالحرف ((إبداعيًا، أعنى على مستوى الحضارة بمعناها الأكثرعمقــًا وإنسانية، ليس فى الغرب شىء لم يأخذه من الشرق: الدين، الفلسفة، الشعر(الفن بعامة) شرقية كلها ويمكنكم أنْ تستأنسوا بأسماء المُبدعين فى هذه الحقول، بدءًا من دانتى حتى اليوم. فخصوصية الفن هى التقنية لا الإبداع، لذلك يمكن القول أنّ الغرب (حضاريًا) هوابن للشرق لكنه تقنيًا لقيط، انحراف، استغلال، هيمنة، استعمار، امبريالية. إنه فى دلالة أخرى تمرّد على الأب)) ونقل العظم عن أدونيس أنه كتب ((لانقدرأنْ نؤسس فكرًا عربيًا جديدًا إلاّبدءًا من معرفة الفكرالعربى القديم معرفة نقدية تــُمثـــّـله وتفتح آفاقــًا أخرى، بحيث يبدوكأنه موجة، وكأنّ الفكرالجديد انشطارمنه وانفصال عنه فى آن. والإسلام هومادة الفكرالقديم ومداره، وهو إلى ذلك نواته الحية الفاعلة المُستمرة)) ثم أضاف (أدونيس) قائلا ((ومع ذلك يقول لكَ بعضهم هامسًا: ليس الدين إلاّوهمًا. أجيب على هؤلاء جهرًا: الدين هوالذى يُحرّك الإنسان العربى/ المسلم، وهومصدرفكره وقيمه وسلوكه. وهوإلى ذلك يقينه المُـطلق ورجاؤه الكامل)) (ذهنية التحريم ص 133)  وهكذا فقد أدونيس مقعده بين الشعراء ليجلس على مقعد الأصوليين الإسلاميين. وبصيغة أخرى فإنّ نكبة الشعوب (العربية) تتمثــّـل فى الكثيرين من مثقفيها الذين يتنازلون عن قيمة العقل الحرالناقد للتراث، الرافض للثوابت، وينضمون إلى صفوف الأصوليين الإسلاميين ويُردّدون كلامهم إلى حد التطابق.

طلعت رضوان

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك