مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

العلاقة بين العداء للأقباط وضرورة فرض الجزية عليهم

الكاتب الأستاذ طلعت رضوان يكتب :

    وصل التعصب لدى بعض الإسلاميين لدرجة ذبح مواطنــًـا مصريـًـا (مسيحيـًـا) بحجة بيع الخمور، فهل ما فعله له علاقة بمرجعيته الدينية أم لا؟ هذا السؤال يتجاهله الأزهروتتجاهله الثقافة السائدة، خاصة وجود محل يبيع الخموريمتلكه (مسلم) بجوارمحل المواطن المصرى (المسيحى) وهل ماحدث بعيد عن انحيازأجهزة الدولة للمسلمين ضد المسيحيين؟ فعندما أراد الأمن فى محافظة المنيا مُـشاركة المصريين (المسيحيين) عيدهم، ومُـشاركة مجموع أبناء شعبنا بعيد شم النسيم، فكانتْ هدية الأمن الاعتداء على مطرانية مغاغة بالمنيا، ولذلك أرسلتْ المطرانية بيان استغاثة إلى رئيس الدولة، قالت فيه ((انقذوا بيت القديس يوسف الباربقرية (ميانة) من هجوم قوات الأمن التى قامت بإزالة المذبح وهدم الجدران. وقال الأنبا أغانون أسقف مغاغة والعدوة أنّ ((هذا الخطاب الرسمى ليس الأول من نوعه)) فهل الاعتداء على الأماكن المقدسة لدى المصريين (المسيحيين) ويقوم به جهازمن أجهزة الدولة، ينفصل عن كتابات وخطب غلاة الإسلاميين عن ضرورة ((فرض الجزية على المسيحيين))؟

    تاريخ (الجزية) تاريخ قديم، قِدم الاستعماروغزوالشعوب واحتلال أراضيهم لنهب ثرواتهم، وفى العصورالقديمة والوسيطة أخذتْ (الجزية) عدة مُسميات..ولكن تلك المُسميات كانت تعنى شيئـًا واحدًا..هواجبارالشعب الذى أحتلتْ أرضه أنْ يدفع للغزاة نسبة معينة على كل (رأس) من رؤوس البشر، وهوما فعله كل الغزاة الذين احتلوا مصر، وفى عهد الاحتلال الرومانى كان المُسمى (ضريبة الرؤوس) وفى عهد الاحتلال العربى كان المُسمى (جزية) وعندما دخل الغازى عمروبن العاص مصر، كان أول سؤال سأله ل (المقوقس) عن مقدارما يأخذونه على كل رأس من المصريين..وخيّره بين ثلاثة أمور: الإسلام أوالجزية أوالقتال.    

     ورغم ما هومعروف ومذكورفى كل كتب التراث العربى/ الإسلامى عن (الجزية) التى فرضها العرب على شعبنا (وعلى كل الشعوب التى غزوها واحتلوا أراضيها) فإنّ أصحاب تيار (تجديد الخطاب الدينى) يحاولون (تجميل الصورة) ويرون أنّ البعض فهم معنى الجزية فهمًا خاطئـًا أدى إلى تبريرما يحدث فى بعض الأحيان من اعتداء على البعض من (أهل الكتاب) والذين هم من نفس البلد والوطن..وترجمة هذا الكلام أنّ المصريين المسيحيين ينطبق عليهم حق (المواطنة) الذى نظمته المواثيق الدولية..فإذا كان الأمركذلك فلماذا تكرارالحديث عن الجزية؟ الهدف هونفى أنّ الإسلام انتشربالقوة وبحد السيف..وينتهى هؤلاء إلى أنّ أهل الكتاب لم يتعرّضوا للأذى حتى فى أشد عصورالدولة الإسلامية تطرفـًا. بينما يرى أ. حسن كامل الملطاوى أنّ الجزية تؤخذ من المفروضة عليهم مع إشعارهم بالذلة والصِغار(المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عام 72 ص 334) وهذا يدل على أنّ تفسيرآية الجزية موضع خلاف بين الفقهاء. وكتب أ. خليل عبدالكريم ((منذ قديم أثارتفسيرهذه الآية الكثيرمن الجدل بين المفسرين والفقهاء واختلفوا فيما بينهم..كما اختلفوا فى تفسيرمعنى الصِغارالوارد فى الآية فبعضهم قال إنها تؤخذ بالعنف)) (المشكلة الطائفية فى مصر- مركزالبحوث العربية عام 88 ص 81) أما أ. أحمد أمين فقد نقل ما كتبه ابن الأثيرمن أنّ الدخول فى الإسلام كان بهدف الفرارمن الجزية لما ((يشعربه من المهانة..فالإسلام هودين الحكام. أضف إلى ذلك أنّ بعض الولاة لم يكن يرعى تعاليم الدين وتسامحه فى الذميين..فكان يسومهم سوء العذاب فاضطروا أنْ يفروا من دينهم إلى الإسلام)) (فجرالإسلام ص142) وكتبتْ د.سيدة إسماعيل كاشف ((كان العرب فى مصروغيرها من البلاد التى فتحوها يُخيّرون أهالى البلاد المفتوحة بين ثلاثة أمور: الإسلام أوالجزية أوالحرب..كذلك لم يكن للإسلام مبشرون يقومون بالدعوة لهذا الدين كما فى الديانة المسيحية)) وذكرتْ أنّ حيان بن سريح كتب إلى عمربن عبدالعزيز((أنّ الإسلام قد أضربالجزية)) (مصرفى عصرالولاة- تاريخ المصريين رقم 14 ص111 ،132) أى أنّ العرب عندما غزوا مصرلم يتــّبعوا أسلوب التبشير، وإنما أسلوب فرض الأمرالواقع..ويؤكد ذلك ما ذكرته د.ناريمان عبدالكريم من أنّ الرسول قال لأحد قواده ((إنْ أنت حاصرت أهل حصن أومدينة فأرادوك أنْ تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله..ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لاتدرى أتصيب فيهم حكم الله أم لا. وستجدون رجالا فى الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم وستجدون آخرين على رؤوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف)) وكتب إلى أساقفة نجران ((إنى أدعوكم إلى عبادة الله..فإنْ أبيتم فالجزية فإنْ أبيتم آذنتكم بحرب والسلام)) وترى د.ناريمان أنّ أهل الكتاب  ((كفروا بكتاب الله تعالى وهوالقرآن ورسوله محمد)) وتنتهى إلى ضرورة فرض الجزية عليهم (معاملة غيرالمسلمين فى الدولة الإسلامية– مكتبة الأسرة عام97من ص26- 47)  

     كان هدف العرب إذن منع مواطنى كل دولة يغزونها من الدفاع عن أنفسهم، أى منعهم من حمل السلاح الذى ربما يكون ضد المحتل..وتزاوج هذا الهدف مع الهدف الأول، أى الحصول على ثروات البلاد المغزوة من خلال آليتين: الجزية والخراج..وفى مقارنة بين الإحتلاليْن الرومانى  والعربى لمصركتبت د.زبيدة عطا ((إنّ وضع الفلاح تحت الحكم البيزنطى لم يكن بالوضع المميز..ولكنه لم يكن أسوأ فترات تاريخه. إذْ ليس بأسوأ من سابقه أولاحقه)) (الفلاح المصرى بين العصرالقبطى والعصرالإسلامى– تاريخ المصريين رقم 48 ص 10) وعندما حاورعمروبن العاص عمربن الخطاب ليقنعه بغزومصر، لم يتطرّق فى حديثه إلى نشرالإسلام إنما قال ((يا أميرالمؤمنين. إئذن لى أنْ أسيرإلى مصر. هى أكثرالأرض أموالا..وأعجزها عن القتال والحرب)) (ابن عبدالحكم: فتوح مصروأخبارها- مؤسسة دارالتعاون- عام1974- ص47) وكيف يكون الفتح/ الغزو(سلمًا) وقد وصل عدد جيش عمروفى غزوه لمصرأكثرمن 16 ألف مقاتل عربى؟ وكيف يكون الهدف نشرالإسلام مع إجباركل مصرى أنْ يستضيف عددًا من العرب لمدة ثلاثة أيام وسط زوجته وأولاده؟ وعن غزوالاسكندرية فإنها ((فـُتحتْ عنوة بغيرعهد ولاعقد ولم يكن لهم صلح ولاذمة)) كما أنّ عمروبن العاص ((سبى أهل بلهيب وسلطيس وقرطسا وسخا فتفرقوا وكتب عمربن الخطاب إلى عمروبردهم فردّ من وجد منهم)) وما معنى عبارة عمروالتى لاعلاقة لها بنشرالإسلام ((من كتمنى كنزًا عنده فقدرت عليه قتلته))؟ وذكرابن أبى رقية ((أنّ القبط أخرجوا كنوزهم شفقــًا أنْ يبغى على أحد منهم فيـُـقتل كما قـُـتل بطرس)) وما علاقة نشرالإسلام بالجباية التى وصلت لدرجة أنْ تكون (جزية موتى القبط على أحيائهم)) وأنّ القبط ((بمنزلة العبيد))؟ وما علاقة نشرالإسلام بأسلوب أداء الجزية حيث التعليمات ((أنْ يختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص ويُـظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم ويركبوا على الأكف عرضًا ولايدعوهم يتشبّهون بالمسلمين فى لبوسهم)) وهل كان للجزية مقدار ثابت؟ روى هشام ابن أبى رقية أنّ قسيسًا طلب من عمروبن العاص أنْ يخبره مقدارما عليه من الجزية..فقال عمرو وهويشيرإلى ركن الكنيسة ((لوأعطيتنى من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك إنما أنتم خزانة لنا..إلخ)) كما أنّ الجزية جزيتان: جزية على رؤوس الرجال..وجزية جملة على أهل القرية..ومن هلك ممن جزيته على رؤوس الرجال ولم يدع وارثــًا فإنّ أرضه للمسلمين)) (أى للعرب) وعن عبد الملك بن مسلمة ((أنّ رجلا أسلم على عهد عمربن الخطاب فقال: ضعوا الجزية عن أرضى..فقال عمر: لا. إنّ أرضك فــُـتحتْ عنوة)) وكانت الجزية فى وقائع عديدة تؤخذ من الذين دخلوا فى الإسلام. لذلك كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيزبن مروان أنْ ((يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة..فكلّمه ابن حجيرة فى ذلك فقال: أعيذك بالله أيها الأميرأنْ تكون أول من سنّ ذلك بمصر..فوالله إنّ أهل الذمة ليتحملون جزية من ترهّب فكيف تضعها على من أسلم منهم..فتركهم عند ذلك)) وعندما تمّ عزل عمروبن العاص عن الجباية قال له عثمان ((يا أبا عبد الله درّت اللقحة بأكثرمن درها الأول..فقال عمرو: أضررتم بولدها)) وهل كانت الجزية هى الأداة الوحيدة؟ لنستمع إلى كلمات عمربن الخطاب إلى عمروبن العاص فى عام المجاعة: إلى العاص بن العاص.. فإنك لعمرى لاتبالى إذا سمنتَ أنت ومن معك أنْ أعجف أنا ومن قبلى.. فياغوثاه ياغوثاه..فكتب إليه عمروبأنه سيرسل له قافلة من العيرأولها عندك وآخرها عندى.. ووعده بقافلة أخرى عن طريق البحر..ثم شعربالندم فقال (( إنْ أمكنتُ عمرمن هذا خرب مصر)) ورغم هذا الندم من عمروفإنه عندما عُـزل عن الجباية قال ((أنا إذن كماسك البقرة من قرنيها وآخريحلبها)) كما أنه كتب إلى ولاته فى غزوة برقة أنْ يشترط عليهم ((عليكم أنْ تبيعوا أبناءكم وبناتكم فيما عليكم من الجزية)) (ابن عبد الحكم– مصدرسابق من ص 47 – 121) وكتب د.عبد الله خورشيد البرى أنّ عمروبن العاص اتبع ((فى توزيع دورالاسكندرية التى كان الجنود العرب يحتلونها بطريقة الابتدار. أى أنّ ((من ركزرمحه فى دارفهى له ولبنى أبيه)) (القبائل العربيبة فى مصر- دارالكاتب العربى عام67ص230)  

     إذا كان أصحاب تيارتجديد الخطاب الدينى ينتهجون نهجًا مثاليًا..فكيف يكون الرد على الأصوليين الذين يرون ضرورة فرض الجزية على المسيحيين مع حرمانهم من الخدمة العسكرية أمثال أ.مصطفى مشهورمرشد الإخوان الراحل؟ (أهرام ويكلى 3-9 إبريل 97) ولماذا تكون الكتابة عن الجزية ولاتكون عن الأساس العصرى للدولة الحديثة؟ الأساس الذى يُعلى من حق المواطنة..وأنّ هذا الحق لن يتحقق إلاّفى ظل (علمنة الدولة) التى تتأسس على فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية..ولوتحقق هذا لن نجد من يكتب ((الإسلام لايمنع التعامل مع غير المسلمين..ولكن يمنع المودة القلبية والموالاة. لأنّ المودة القلبية لاتكون إلاّبين المسلم والمسلم )) (جريدة اللواء الإسلامى– العدد 153) لم يكتب هذا الكلام شكرى مصطفى أوعبود الزمرمن   مدرسة أعداء الحياة وأعداء الحداثة، إنما كتبه الأستاذ الدكتورأحمد عمرهاشم..فهل نلوم الذين يقومون بتنفيذ أوامرالقتل ويتربون على كراهية المختلف معهم دينيًا، أم أنّ  سبب المشكلة فى الأساتذة والدكاترة الذين يـُـروّجون للتعصب ولايعترفون بأبسط حقوق الإنسان: حق المواطنة؟ ومع مراعاة أنّ هذا الحق لن يكون له أى وجود ملموس إلاّفى ظل تطبيق مبادىء العالمانية، وهى المبادىء التى يُعاديها كل الأصوليين..وترفضها كل سلطات البطش.

طلعت رضوان

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك