مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

أساطيرمعبد إدفو

الكاتب الأستاذ طلعت رضوان يكتب :

    هل الأساطيرالمصرية كانت لها دلالات فلسفية؟ أم كانت بلا أية دلالات؟ عن هذا السؤال كانت مساهمة الراحل الجليل عالم المصريات محسن لطفى السيد، حيث ألــّـف أكثرمن كتاب عن الحضارة المصرية، وأغلب كتبه طبعها على نفقته الخاصة، مثل ترجمته لكتاب (الخروج إلى النهار) الشهيرفى ترجمته الخاطئة ب (كتاب الموتى) وهوالكتاب الذى أنفق عليه مبلغــًا كبيرًا خاصة وأنه مُـزوّد بصوراللوحات بالألوان الطبيعية. وصدرالكتاب عام 2004. ثمّ أعادتْ هيئة قصورالثقافة طباعته عام 2007.

    كما ترجم وشرحَ نصوص معبد إدفوفى كتابه (أساطيرمعبد إدفو) الصادرعن هيئة الكتاب المصرية عام 2003.

    فى المقدمة شرح الموقع الجغرافى للمعبد، على الضفة الغربية للنيل غرب مدينة إدفوالحالية. وأنّ اسم إدفومأخوذ من اللغة القبطية (إتبو) وبالمصرى القديم (جبو) والاسم الدينى (بحدت)

   تـمّ بناء المعبد على أنقاض معبد قديم منذ عهد تحوت/ موس الثالث من الأسرة 18والذى صمّم المعبد هو(إيمحوتب) المهندس العظيم الذى بنى هرم الملك زوسرفى سقارة حوالىْ سنة 2800 ق. م . كما كان له إسهامه الكبيرفى الطب. وتمّ ذكراسمه كثيرًا فى المعبد .

    الإله الرئيسى للمعبد هوحورس الإدفوى، واسمه الدينى (حورس البحدتى) وصورته الصقر. ورسمه الفنان مرة على هيئة رجل له رأس صقر، ومرة بصورة صقركامل كما الحال فى التمثاليْن اللذين يحرسان مدخل البوابة الكبرى. وزوجة حورس هى الإلهة حتحورصاحبة المعبد العظيم فى دندرة غرب مدينة قنا. وثالث الثالوث هوالابن واسمه حور- سما- تاوى (حورس موحّد الأرضيْن)

    تدل النقوش على أنّ بطليموس الثالث هومن بدأ إعادة بناء المعبد سنة 237ق. م وبدأ الاحتفال يوم7 أبيب من السنة العاشرة لحكمه. ومعنى اسمه ((بطليموس الحى أبديًا محبوب الإله بتـّاح))

    الكتابات والرسوم على جدران المعبد تحكى عدة أساطير: أسطورة الصراع بين حورس البحدتى والإله ست، أسطورة القتال بين حورس ابن إيزيس يُعاونه  حورس الإدفوى وبين الإله ست، وأسطورة حورس سيد مصرالسفلى ويُـقيم فى منف، وأنّ (ست) هوسيد مصرالعليا ويُـقيم فى أسيوط الحالية. ثم أسطورة القتال بين ست وحورس وانتصارالأخير. وتـمّ نقش التمثيلية كاملة وذلك على السطح الداخلى للحائط الغربى من السورالمحيط بالمعبد.

    تتكوّن البوابة الكبرى من برجيْن يُمثلان إيزيس وأختها نبت– حوت (ست الدار) وباليونانى (نفتيس) والباب مكتوب عليه (روت- دى- ماعت) وترجمته ((الباب الذى تـُـقام عنده العدالة)) وتوجد مسلتان على جانبىْ المدخل. وأعلى البرج رسم لبطليموس 12وهويُـقدّم رمزماعت للإله رع ومن خلفه الإله جحوتى والإلهة ماعت ثم (حو) و(سيا) و(سفخت- ورت) وحرّاس المعبد أربعة. وأنّ الإله قام بتشكيلهم فى صورة مربع أضلاعه تواجه الجهات الأربع الأصلية. والشرفة التى تعلوالباب الرئيسى للمعبد اسمها (شرفة الظهور) ويصعد إليها (حورس فى الأفق) وهناك نص يقول ((هذا الإله يُـشرق ومعه تاسوعه لتـُـقام طقوسه)) وهى نهاية الشعائرالأوزيرية. والمقصود بالتاسوع الآلهة التسعة فى أسطورة الخلق فى (أون) هليوبوليس.

    والفِناء الأمامى للمعبد عبارة عن سطح مكشوف تدخل منه الإلهة حتحورللاحتفال بعيد (الزواج المقدس) والأعمدة فى الجانبيْن الجنوبى والشرقى والعمود الأول على يمين الداخل وبه أسماء البطالمة من الأول إلى الثانى عشر، وكل واحد يُـقـدّم قربانـًا لأحد الآلهة، فمثلا بطليموس التاسع يقدم مجموعة من الأوانى للإله حورس. وصلصلا للإلهة حتحور إلخ. وفى بعض المناظر يتولى حورس وجحوتى تطهيربطليموس التاسع وقطرات الماء تأخذ شكل عنخ (الحياة) وفى منظرآخريتم تتويجه على يد الإلهتيْن (نخبيت) و(واجيت) إلهتىْ مصرالعليا والسفلى.

    وعلى كتفىْ الجداريْن الشرقى والغربى بعض المناظرالتى تـُـصوّرقصة الخلق، وانتصار الضياء على الظلام. وهزيمة الشرممثلا فى الثعبان (عبيب) والصراع بين الشمس وعدوها عبيب وهى عقيدة (أونية) ومزج كهنة إدفوبينها وبين عقيدتهم (الحورية) وبذا أصبح حورس الإدفوى هو(حورس- رع) وصارمعبد إدفومكان هزيمة عبيب. ومن المناظرذات الدلالة أنّ بطليموس الثامن يُـقـدّم للإلهة إيزيس تمثال (أبى الهول) ثم وهويتعبّد للإله (رع- حور- آختى) والإلهة حتحور، ثم وهويُقدّم مقلمة ومحبرة للإله جحوتى إله الكتابة. وفى القسم الغربى من الجدار الشمالى صورة للإلهة (مرت) إلهة الموسيقى والطرب تقف لمشاهدة حورس الجالس على العرش. وفى الجدارالجنوبى بالدهليزالداخلى، مقاصيرصغيرة تحتوى على تماثيل الآلهة وكانت تـُسمى ((أطفال الإله رع))  وإلى الشرق من قاعة التاسوع، فى هذا المكان كانت تدورطقوس أحد الأعياد الكبرى وهوعيد رأس السنة المُسمى (خنم- ياتن) ومعناه (الاتحاد مع قرص الشمس) وعن هذا الاحتفال صحّح محسن لطفى السيد الخطأ الشائع حول عيد الاحتفال مع الشمس، إذْ أنّ البعض ظنّ أنه لا يُقام إلاّفى رأس السنة يوم الأول من توت، فى حين أنّ المقطوع به والثابت من خلال تقويم دندرة أنّ الاتحاد مع الشمس كانت طقوسه تتم عدة مرات عبرالسنة : أول توت عيد رع، 20توت عيد تطهير رع، 26كيهك عيد الإله سُكر، هلال أبيب عيد اللقاء الجميل (بين رع وحتحور) وفى الجدارالشرقى بمقصورة المكان الطاهرعدة مناظرمنها صورة للإله (شسمو) إله المعصرة يُقدّم الزيت المُعطر، والإله (حدج- حوتب) إله من آلهة النسيج يُقدّم قماشًا إلى الملك بطليموس الرابع وزوجته. وتوجد غرفة خاصة للإله (مين) إله الخصوبة والنسل. وجسده بلون طين مصرالأسمر، وفى صورة إنسان. وكان مقرعبادته مدينة (قفط) وباليونانية (كوبتوس) وبالمصرية القديمة (جبتيو) وكان الإله (مين) مبجلا فى مدينة إخميم وبالمصرية (خنتى- مين) وسمّاها اليونان (بانوبوليس) نسبة إلى الإله (بان) إله النسل والخصوبة عندهم للتشابه بين الإلهيْن. وفى الجدارالغربى صورة للملك وهويُقدّم العين المقدسة (ودجات) إلى الإله (مين) وتقف خلفه إيزيس. وصورة أخرى للملك وهويُقدّم أوراق الخس للإله (مين) وخلفه (إيزيس- أمونيت) وبذلك تكون إيزيس قد تطابقتْ مع (آمونيت) زوجة (آمون) ويكون الإله (مين) هوالإله (آمون)

    أما المكان الذى يُقيم فيه إله المعبد فاسمه (ست- ورت) ومعناه (العرش العظيم) ولذا تعارف العلماء على تسميته (قدس الأقداس) ومن بين التراتيل ((أنت تـُشرق على الأرض/ مثلما بزغتَ من الماء الأزلى/ أشعة نورك تضىء فى كل مكان/ وتحيى الآلهة الذين يرفعون جمالك/ وهم مثل أولادك فى الأفق الشرقى)) ولأنّ معنى (ماعت) الحق لذا فهى التى تحقق توازن الكون كله. وقرص الشمس المُجنح يضم جناحيه كناية عن هبوطه ونزوله نحومقره. ونرى الإله (حح) على اليمين والإلهة (ححت) على اليساريمدان أيديهما لتلقى القرص المجنح وهما يُمثلان الأبد واللا نهائية. وعن أوزيرتحكى أسطورته أنه نشأ فى (أبوصير) وتصوره نصوص الأهرام بصورة تربطه بالزراعة والخصب. ثم تحوّلتْ الأسطورة فى (منف) حيث تطابق مع إله الموتى (سُكر) وفى هليوبوليس أصبح جزءًا من التاسوع وابنـًا للإلهيْن (جـِـب ونوت) ثم أصبح له كيان نجمى. وحين انتقلتْ عبادته إلى أبيدوس أصبح صورة للإله (خنتى- يامنتى) ومعناه سيد الغربيين وهو إله الموتى فى طيبة. ثم سادتْ عبادته مصركلها وأصبح سيد العالم الآخر. وأصبحتْ أسطورته تحرك وجدان كل مصرى، فهورمزللخيروللزراعة. وزوجته إيزيس رمزللإخلاص والوفاء. وفى الصف الثالث من الجدارالشمالى مجموعة من الحراس مكلفين بحماية أوزير، منهم حارس ترجمة اسمه (الذى يُنمى اللحم على العظم)) وحارس آخرترجمة اسمه ((الحى الذى لايموت)) وفى الصف الرابع حارس اسمه (القادر) فى صورة رجل له رأس صقر. وحارس اسمه (توا) ويقول النص ((هو الذى يرفع السماء)) وحارس اسمه (المُغذى) على شكل إله النيل. وحارس اسمه (الذى يُبصر) وفى الصف الأول من الجدارالشرقى تقول إيزيس لأوزير((إنى أجعل لطفك فى قلوب البشر)) وفى غرب المقصورة يقول بطليموس الرابع ((جئت إليك يا والدى أوزير. إنى حورس الذى خرج من الأفق جلبتُ لك رمز(العنخ) الحياة. وفى غرفة (خنسو) الإله (نون) يُمثل الماء الأزلى و(نونيت) صورته المؤنثة. والإله (حح) ومعناه الأزل و(ححت) صورته المؤنثة. والإله (كاكو) أى الظلام و(كاكيت) صورته المؤنثة.

    ومن بين الأساطيرأسطورة فرس النهرالأحمر، وتبدأ بإعلان حمل إيزيس من أوزير(بعد وفاته) وأنجبتْ حورس، وبعد أنْ كبرالطفل رآه الإله (ست) وأمره أنْ يتحدث المصريون بلغة بدوالصحراء فرفض حورس أنْ يتحدث المصريون بلغة البدو، واعتبرها إهانة. وبدأ الصراع بين حورس و(ست) الذى تحوّل إلى فرس نهرأحمر. يقتفى حورس أثره مبحرًا نحوإدفو. ففر (ست) هاربًا. وهنا يتدخل (حورس الإدفوى) ويُلاحق (ست) وانتهى الصراع بانتصارحورس الإدفوى، ويُسلم منصب أوزيرلابنه حورس ابن إيزيس، ويُرتل الإله جحوتى أنشودة الانتصار. ولأنّ إيزيس طلبتْ من والدها (رع) أنْ يمنح ابنها حورس القرص المُجنح حماية له، لأنه قطع رأس عدوه (رمزالشر) لذلك كانت ملحوظة محسن لطفى الثاقبة عندما كتب أنّ القرص المجنح نجده منقوشًا على كل مدخل أوبوابة أومحراب فى كل معابد مصر.

    وعن تأثرالبطالمة بالحضارة المصرية، ترجم نصًا عن الملكة كليوباترا الثالثة على أنها (أم رع بطليموس) وفى الجزء الثانى من الكتاب لخـّص مسرحية (انتصارحورس على أعدائه) وذكرأنّ العالميْن (بلاكمان) و(فيرمان) ترجما نص المسرحية من المصرية القديمة إلى الإنجليزية. وتم النشرفى مجلة (استكشاف مصر) وقام (موريس إليوت) بترجمتها فى رسالته للدكتوراه من جامعة باريس كما ترجمها سليم حسن فى كتابه الأدب المصرى القديم سنة1945.

    وكما هوشأن كل العظماء مات محسن لطفى السيد (4/3/2009) ولم تهتم الثقافة المصرية السائدة لابرحيله ولابكتبه. ولكن ستظل إسهاماته خالدة يسعى إليها المؤمنون بمصرالحضارة والتعددية. كما أنه فتح منزله للمرشدين السياحيين ولعشاق مصر، حيث خصّص يومىْ الأحد والأربعاء من كل أسبوع لصالونه الثقافى، وكان من حـُسن حظى أنْ أكون أحد روّاد هذا الصالون الثقافى .

طلعت رضوان

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك