مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

كيف يكون التوفيق بين حرية الاعتقاد والتكفير؟

الكاتب الأستاذ طلعت رضوان يكتب :

   يولد الإنسان وفق قانون الصدفة، فلا يختار جنسه ولا وطنه ولا ديانته. ورغم ذلك فإنّ الأديان تــُـجبره على البقاء فى الدين الذى اعتنقه عن والديه إلى أنْ يموت، ورغم ذلك روّج أصحاب (يسار الإسلام) لمقولة أنّ الإسلام (مع حرية العقيدة) واستشهدوا بآية ((لا إكراه فى الدين)) (البقرة/256) وآية ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) (الكهف/29) وآية ((لكم دينكم ولى دين)) (الكافرون/6) وتجاهلوا الآيات التى رسّـختْ أنّ الإيمان الحقيقى لا يكون إلاّ بالإسلام. بل إنّ القرآن كان صريحـًـا عندما نصّ على (إنّ الدين عند الله الإسلام) و((ومن يبتغ غير الإسلام دينــًـا فلن يـُـقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين)) (آل عمران/19، 85) ليس هذا فقط وإنما البشر الذين عاشوا فى العصور السابقة على الإسلام، كانوا من المسلمين (القصص/53) و(الحج/78) و(النمل/42) و(فـُصلت/33) و(آل عمران/52) و(الأعراف/126) بل إنّ نوح قال ((وأمرتُ أنْ أكون أول المسلمين)) (يونس/72) بينما نفس الآية وبنفس ترتيب الكلمات كانت موجهة للنبى محمد (الزمر/12) وأكثر من ذلك فإنّ القرآن شـدّد على أنه عند الموت ((فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون)) (البقرة/132، وكرّرها فى آل عمران/102)  

    ثم جاءتْ الأحاديث النبوية (بغض النظرعن موضوع صحة الحديث أو التواتر إلخ) حيث ورد فى المأثور الإسلامى ((مـنْ بـدّل دينه فاقتلوه)) وقال الماوردى ((ومن أقام على ردته ولم يتب، رجلا كان أو امرة وجب قتله. وقال أبوحنيفة : لا أقتل المرأة بالردة، بينما قتل رسول الله بالردة امرأة اسمها (أم رومان) وقد أنذرعلى بن أبى طالب شخصًـا اسمه (العجلى) بالتوبة ثلاثة أيام ثم قتله صبرًا بالسيف. وقال ابن سريج ((يـُـضرب بالخشب حتى يموت، لأنه أبطأ قتلا من السيف.. ولا يـُـدفن فى مقابر المسلمين ولا فى مقابر المشركين ولا يـُـغسّـل. ولا يرث عنه وارث من مسلم أو كافر. وأضاف الماوردى: وقد قاتل أبوبكر مانعى الزكاة (الصحيح مانعى الصدقة) مع تمسكهم بالإسلام، حتى قالوا: والله ما كفرنا بعد إيماننا، ولكن شححنا على أموالنا . فقال عمر لأبى بكر: علام تـُـقاتلهم ورسول الله قال ((أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوهاعصموا منى دماءهم إلاّ بحقها)) لم يقتنع أبوبكر فقال لعمر((إلاّ بحقها.. أرأيتَ لو سألوك ترك الصلاة، أو ترك الصيام، أو ترك الحج، وإذن لا تبقى عروة من عرى الإسلام إلاّ انحلتْ. والله لو منعونى عقالا مما أعطوه لرسول الله لقاتلتهم عليه)) استسلم عمر لهذا الكلام وقال ((شرح الله صدرى للذى شرح صدر أبى بكر)) ودافع حارثة ابن سراقة عن أهله الذين رفضوا أداء الصدقة لأبى بكر فقال ((أطعنا رسول الله ما كان بيننا.. فيا عجبـًـا ما بال مُـلك أبى بكر؟ سنمنعكم ما كان فينا بقية.. كرام على العزاء فى ساعة العُـسر)) (الماوردى: الأحكام السلطانية والولايات الدينية- مكتبة ومطبعة الحلبى بمصر- عام1973- من ص55- 58) 

    ونقل الماوردى عن التراث الإسلامى أنّ رسول الله أمر بقتل ستة عام الفتح ولو تعلقوا بأستار الكعبة. وذكر اسم كل منهم بالتفصيل، وأنّ أحدهم (مقيس بن حباية) قال ((شفى النفس أنْ قد بات بالقاع مسندًا.. يضرج ثوبيه دماء الأخادع.. وأدركتُ ثأرى واضّجعتُ موسدًا.. وكنتُ عن الإسلام أول راجع)) وكان من بين الستة الذين أحلّ الرسول قتلهم (عبدالله بن سعد بن أبى سرح (كاتب الوحى) فإذا قال له الرسول: اكتب : غفور رحيم، كتب عليم حكيم. ثم ارتد فلحق بقريش وقال : إنى أصرف محمدًا حيث شئتُ فنزل فيه قول الله ((ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله)) (الأنعام/93) (المصدر السابق- ص132، 133) مع ملاحظة أنّ هذه الآية تدخل (ضمن مجموعة أسباب النزول)

    وعن تارك الصلاة قال ابن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث: يصير بتركها كافرًا يـُـقتل بالردة (المصدر السابق- ص222) وعن (صدفة الميلاد) ورد فى المأثور الإسلامى : إذا أسلم الأبوان كان إسلامًـا لصغار أولادهما من ذكور وإناث. بينما اختلف الإمام مالك حيث قال: يكون إسلام الأب إسلامًـا لهم، ولايكون إسلام الأم إسلامًا لهم. ولايكون إسلام الأطفال بأنفسهم إسلامًا ولا ردتهم ردة. بينما قال أبوحنيفة: إسلام الطفل إسلام وردته ردة ولايُـقتل حتى يبلغ (ص137)

***

    فإذا كان هذا هو التراث الإسلامى (من قرآن وأحاديث ووقائع) فلماذا يـدّعى (أصحاب تيار يسار الإسلام) أنّ الإسلام مع حرية العقيدة؟ ولماذا اختلفوا عن مثقفى العشرينيات، حيث نشرتْ صحيفة السياسة فى افتتاحيتها (6سبتمبر1925) مقالا قالت فيه إنّ الدستور((كفل للناس حرية الاعتقاد ويـُـبيح لهم بذلك أنْ يرتدوا عن الإسلام من غير أنْ يكون عليهم فى ردتهم حرج)) فغضب الشيخ بخيت، واعتبر أنّ صحيفة السياسة وما ذكرته هو إلحاد، فردّتْ عليه الصحيفة: إنّ هذا القول ظاهر يا مولانا، فنص المادة الثانية عشر من الدستور الذى اشتركتَ أنت فى وضعه تقول ((حرية الاعتقاد مطلقة)) ومعنى الإطلاق يا مولانا عدم التحديد بشىء وعدم التقييد، فإطلاق حرية الاعتقاد معناه أنّ الدستور لا يـُـقيـّـد الاعتقاد بشىء ولا يتعرّض لمن يختط لاعتقاده سبيلا سواء رضيت فضيلتكم عن خط هذا الاعتقاد أو لم ترض، خرج صاحبه عن الإسلام إلى النصرانية أو اليهودية أو إلى نظريات الفلاسفة المجردة أو إلى عمايات الشيطان، ذلك بأنّ مصر فيها دستور فيه مادة تقول بإطلاق حرية الاعتقاد، وتــُـتيح للناس الارتداد عن الإسلام من غير أنْ يكون عليهم حرج. أليس هذا واضح وظاهر يا مولانا)) (صابر نايل- العلمانية فى مصر- 1997- ص150، 151)

    فهل كان لثورة شعبنا فى شهر برمهات/ مارس1919هذا التأثيرعلى مثقفى تلك الفترة؟ لا أعتقد حيث أنّ هناك الكثير من الكتابات التى دافعتْ عن حرية الاعتقاد قبل1919، وإذن – كما أعتقد – لا يبقى إلاّ (إيمان) مفكرى ذاك الزمن بالحرية المطلقة، فجاء دستور1923وحقق لهم حلمهم فى المادة رقم12. 

***

هامش: الماوردى (972- 1058) كان على علاقة بخلفاء الدولة العباسية. وسفيرهم لدى السلاجقة. ونشأ فى البصرة. وله كتب كثيرة منها (أدب الدنيا والدين) و(أعلام النبوة) و(تسهيل النظر وتعجيل الظفر) أما كتابه (الأحكام السلطانية) فهو الذى يعتمد عليه الأصوليون المعادون للوطن وللحداثة.

طلعت رضوان

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك