مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

قبيلة المجالس العرفية

الأستاذ عادل نعمان يكتب :

لنا وقال غيرنا كثيرًا: إن دولة يحكمها قانون شيء، ودولة تحكمها المجالس العرفية، هي قبيلة أو عشيرة، أو أي شيء آخر، الدولة كيان يربط عناصر المجتمع برباط ونسيج واحد، هو رباط المواطنة، لا يفرق بين المواطنين على أساس اللون أو الجنس أو الدين، الكل أمام القانون سواء، أما القبيلة أو العشيرة فهي كيان متجانس ومتضامن يربط عناصر القبيلة على عصبية واحدة تمييزية طبقية نرجسية استعلائية من نوع خاص، ينحاز لأفراده، وينتصر لهم ظالماً أو مظلوماً، ويضع مصلحة أفراد القبيلة أو العشيرة فوق مصالح كل أفراد القبائل والعشائر الأخرى، ويضع أيضاً مصلحة القبيلة أو العشيرة في الصدارة دون باقي القبائل والعشائر الأخرى، وهذا سبب سقوط الخلافتين الأموية والعباسية وغيرهما، قامت كلها على أساس التمييز الديني والقبلي، فأصبح المسلم مواطنًا له كل الحقوق والامتيازات، وغير المسلم له ما تصدقوا به عليه، بل من المسلمين أنفسهم بعضهم على بعض، فأصبح العدل والسلام والمحبة خاصة بهم فقط، والظلم والغبن والباس والشدة من نصيب الغير، فانهارت كل هذه الخلافات.

إن تحويل المجتمع من الاحتكام إلى القانون، إلى الاحتكام إلى المجالس العرفية، هو بالتأكيد يحولها إلى قبيلة، إما قبيلة دينية يحكمها أصحاب دين بعينه على حساب أصحاب الأديان الأخرى فتصبح دولة دينية، أو يحولها إلى قبيلة عرقية يحكمها أصحاب عرق بعينه على حساب أصحاب الأعراق الأخرى فتصبح دولة عرقية، أو الاثنتين معاً.

هي عودة إلى الصراع القبلي قبل تكوين الدول في شكلها المستقر الحالي، وقبل صياغة العقد الاجتماعى، حكمت العالم قبليات مختلفة، غلفتها أطماع تاريخية تحت حماية دينية أحياناً، وتحت حماية القوة أحيانًا أخرى أو الاثنتين معاً، فأَجْلَت وذبحت وقتلت وأعطت ومنحت وسبت وأسرت واستولت وغنمت حقوق الغير لنفسها، فهذا تاريخ ولّى وذهب، حكمته همجية منظمة، وأطماع سياسة دينية واحدة، وكان طريقاً مفروضاً وخطوة طبيعية فى طريق تطور وبناء الأمم، فلا عودة لتاريخ سابق أخذ دورة من دورات الحياة، وكان أمراً مقبولاً ومعروفاً، وصعد وارتقى إلى هذا الكيان الذى غلب واستقر. القانون يضمن العدل والحق ورد المظالم إلى أهلها، والجلسات العرفية تحكمها مصالح النواب وغطرسة الأكثرية، ونرجسية الدين الغالب، وانتهازية القوة الغاشمة، ولا ضامن من جور كل هؤلاء على الأقلية المقهورة، ولا ضمان لانحياز هذه الأحكام للشعوبية الظالم أهلها، ولا حماية للمظلوم إذا انتهك حقه وماله، ولا التزام على الظالم إذا عاد لسابق عهده إذا ضمن حكم الحكام خوفاً أو طمعاً في مصلحة أو فائدة أو منصب. إنها عودة إلى العصور الأولى لتهجير أصحاب الأديان أو العرقيات الأخرى خارج بلادهم، حتى تستولي الأكثرية على أملاكهم وبيوتهم، فلو كان هذا الأمر مقبولاً ومباركاً، فأبشروا أيها الطامعون في حقوق الغير، وإجلائهم عن ديارهم وأوطانهم، والفوز بأرضهم وديارهم وأموالهم ومحلاتهم، فهذا مكسب وفير، أليس هذا بحق كما أجاز بعضهم؟ وهو بالتأكيد راسخ فى أذهان من اعتدى ومن حكم. إنها كارثة إنسانية لن تستطيع الدولة يوماً وقف هذه الأحكام العرفية التمييزية الجائرة، ولن تجرؤ الدولة يوماً على أن تصد أو ترد هذا الجور إذا تكرر وتغطرس وأصبحت له قوة شعبية غاشمة، وإذا ما غلفته هذه القبيلة بستار ديني يبيح هذا التهجير والاستيلاء على حقوق الغير.

في كل جلسة من هذه الجلسات يحكم بتهجير مسيحيين، ولا أدري هل أعضاء هذه المجالس العرفية، خصوصاً أعضاء مجلس النواب، قد قرأوا يوماً دستور البلاد، الذي يمنع التهجير القسري للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم، حتى يحرم مواطن من بيته وأرضه، حتى لو أجرم وأخطأ، هل هجروا يوماً مسلماً من بيته حين طغى وتجبر على غيره من المسيحيين، وهم الأكثرية المطلقة؟ أم أنكم أسود عليهم وعلى غيرهم نعامة؟

الحادث الأخير بقرية الدوار بمدينة كفر الدوار، كما تناقلته الأخبار على نطاق ضيق، حكم فيه على المسيحي عوض زكى بغرامة خمسين ألف جنيه وبقرة للمسلم أبوأحمد، وتهجير المسيحي إلى بلد آخر، أو قبيلة أخرى، والقضية شائكة ومشينة، فبين قائل إن المسيحي يطالب بحقه عن أعمال حديد عند المسلم، فيستدرجه إلى بيته ليتهمه بالتهجم على زوجته، وبين قائل إن علاقة تربطهما معاً، ومن قائل إنه تهجم فعلاً، وأنا من حقي أن أستبعد من هذه الروايات بعضها أو كلها ، وأنا لا يعنيني هذا الأمر في كثير، ما يهمني أن يفصل القضاء في الأمر لمعرفة الحقيقة ومعاقبة الجاني حتى يكون القانون هو الفاصل فى الأمر.

نقول يا سادة إن المجالس العرفية هذه، قد رسمت لدى الناس فكرة الغلبة للقوة وللمحسوبية وللأكثرية الدينية والعددية والوساطة، فيطغى من يطغى، ويظلم من يظلم، ويهجر من يهجر دون رادع أو خجل، اعتماداً على غلبة العشيرة أو الأهل أو الدين، فيضيع الحق ويختفى، ويصبح الظلم والاستيلاء على حقوق الناس هو الغالب والمقبول، بل الأدهى هو استمراء الناس هذا الظلم، ولا يجدون حرجاً في هذا، بل يصبح في يوم آتٍ أكل عيش، وحرفة ومهنة، وهي حرفة استباحة أموال ومقدرات وأعراض الغير، كما كان غيرهم يفعلون، هذه كارثة يجب الانتباه إليها، وإيقاف هذه المهزلة فوراً، فأنا لا أثق في هذه الأحكام العرفية، التي يحكمها هوى أعضاء المجلس النيابي، وعيونهم على من يقف معهم في الانتخابات من الأكثرية، وموروث ثقافي غالب على الجميع، على الظالم حين ظلم واعتدى، وعلى الغوغائية حين تهجمت وطغت على العزل من الآمنين، وعلى الحكام حين حكموا بتهجير هذا المواطن.

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك