مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

اليسارالمصرى بين مرحلتيـْـن

الكاتب الأستاذ طلعت رضوان يكتب :

    أعتقد أنه يُـمكن تقسيم الماركسيين المصريين بين مرحلتيْن فاصلتيْن: مرحلة ما قبل ومرحلة ما بعد يوليو1952. فى المرحلة الأولى كانوا على درجة عالية من الإيمان بوطنهم (مصر) وفى المرحلة الثانية تزعزع هذا الإيمان (نسبيًـا) بسبب مشيهم وراء البكباشى عبدالناصرالذى روّج لأكذوبة أنّ (مصرعربية) ولدىّ دليل دامغ على أنّ الماركسيين قبل يوليو52 لم ينخدعوا بشعارات (العروبة) وذلك فى سلسلة الدراسات التى نشرتها مجلة (الفجرالجديد) الأعداد (من يوليو1945- يوليو46) حيث انتقد كثيرمن الماركسيين قرارإنشاء جامعة الدول العربية التى صنعتها بريطانيا، فمثلا كتب الماركسى الشهير(أحمد صادق سعد) مقالاقال فيه ((استقبلتْ الشعوب العربية بيان مجلس جامعة الدول العربية الأخيربدهشة بالغة. هذه الطنطنة الكبرى والاجتماعات المتكرّرة وحفلات الشاى، كل هذا لم يـُـسفرإلاّعن نتيجة أحيطتْ بسياج غامض من السرية، تضمنتْ الاعتراف بالاعتداء الفرنسى على بعض دول الشام)) (أول يوليو45) وفى عدد أكتوبر45مقال كتبه رئيس التحريرالماركسى (أحمد رشدى صالح) بعنوان دال (الجامعة العربية لاتخدم مصالح الشعوب العربية) ومقال آخرجاء فيه ((كنا على حق حين حذرنا شعبنا من جامعة الدول العربية)) والمقال طويل جدًا، وأهم ما فيه أنّ تلك الجامعة تسيرعلى خطى الاستعمارالبريطانى..ومقال آخرعن دورالجامعة العربية فى ممالئة الاستعمارالبربطانى..وكيف تطالب تلك الجامعة من فرنسا الخروج من سوريا ولبنان دون الإشارة إلى خروج الإنجليزمن مصر.. وإذا كانت تلك الجامعة تروّج للعروبة، فهى لاتعدوأنْ تكون لونـًـا من ألوان العنصرية البغيضة..ولاتهتم بأهداف الشعب العربى (عدد12فبراير46)  

    وملاحظتى الثانية هى أنّ يساربعد يوليو52، اهتـمّ بالصراع الطبقى ولم يهتم بالعلوم الإنسانية، خاصة علم الأنثروبولوجيا وعلم المصريات وعلم اللغويات..إلخ.

    لايستطيع أى مؤرخ أوأى باحث يتــّـسم بالحيادية إنكارالتضحيات التى قـدّمها اليساريون المصريون، منذ بداية نشأة الحزب الشيوعى مع بداية العشرينيات من القرن العشرين، كما لايمكن تجاهل دوراليسارالمصرى فى مقاومة المحتل الإنجليزى، تلك المقاومة التى لم تكتف بالكتابات القوية (بل والعنيفة) ضد الاستعمارالبريطانى والأمريكى، وإنما أخذتْ المُـقاومة شكلا عمليًا عندما تطوّع المئات من شباب الشيوعيين وهاجموا معسكرت الإنجليزفى منطقة العباسية،  ثم ذهبوا إلى منطقة القنال للهجوم على المعسكرات الإنجليزية، ثم كان تتويج تلك المقاومة فى يوم 8 أكتوبر1951 عندما ألغى مصطفى باشا النحاس (رئيس وزراء مصر) معاهدة 1936، ثمّ فتح فؤاد باشا سراج الدين (وزيرالداخلية) مخازن السلاح التابعة لوزارته وإمداد الفدائيين بالأسلحة لمُحاربة جنود الإحتلال الإنجليزى..كما لايمكن تجاهل دوراليسارالمصرى من أجل رفع المستوى المعيشى للعمال والفلاحين وصغارالموظفين، سواء بالكتابة أوبتنظيم الاضرابات والاعتصامات داخل المصانع..وكذلك المُـطالبة بتكوين اتحاد عام للنقابات العمالية..وكذلك موقفهم الرائع عندما نظــّموا مع الطلبة الاحتجاج الشهيرفى مارس1946، وهوالاحتجاج الذى أخذ اسم (اتحاد الطلبة والعمال) وكانت سكرتيرته الفتاة اليسارية لطيفة الزيات والتى أصبحتْ أديبة وكاتبة مشهورة..كما لايستطيع أى منصف إنكاراعتقال الشيوعيين فى العهديْن الملكى والناصرى..وأنّ تعذيبهم فى معتقلات عبد الناصركان أقسى وأشد من معتقلات النازى، كما اعترف كثيرون من الشيوعيين فى مذكراتهم..ومن بينهم الشيوعى الشهيرد. فخرى لبيب فى كتابه (الشيوعيون وعبدالناصر) وفى الجزءيْن.

    ولكن السؤال الذى يشغل العقل الحرهو: ما نتيجة تلك التضحيات؟ وهل أحدثتْ تراكمًا كيفيًا فى الواقع الاجتماعى والاقتصادى ومستوى معيشة (الجماهيرالشعبية) كما كانوا يكتبون فى منشوراتهم؟ والسؤال بصيغة أخرى وأكثر دقة: هل كان لليسارالمصرى أى تأثيرعلى المواطن المشغول بعمله وأسرته؟ بل إنّ الطبقة العاملة التى أعطى اليسارأكبراهتمام بها من خلال بعض النقابيين اليساريين فى المصانع، ارتمتْ تحت أقدام الإسلاميين..وتحوّل معظم العمال إلى أبواق دعاية لصالح الإسلاميين..وهوما توضـّح بعد انتفاضة طوبة/ يناير2011.

    أستطيع أنْ أزعم أنّ نتيجة نضال اليسارالمصرى = صفرفى حالة تطبيق القانون الماركسى الشهير: أنّ التغيرالكمى لابد وأنْ يؤدى إلى تراكم كيفى..ولعلى أضرب مثالابثلاث انتفاضات شهيرة: الأولى مظاهرات الاحتجاج على أحكام المحكمة ضد بعض الضباط المُـتسببين فى كارثة بؤونة/ يونيو1967، وهى المظاهرات الشهيرة التى حدثتْ فى عام1968 عقب صدور الأحكام الهزيلة التى لاتتناسب مع حجم الكارثة، بل إنّ المتظاهرين– بوعيهم العفوى الصادق– وكنتُ أحد شهود تلك التظاهرة– قالوا– بسخريتهم المصرية الشهيرة– ((المشكلة مش فى الأحكام الهزيلة..المشكلة فى عدم تقديم المُـتسببين الحقيقيين فى الهزيمة وعلى رأسهم جمال عبد الناصرللمحاكمة)) وكان الشعارالأشهر((لاصدقى ولا الغول..عبدالناصرهوّالمسئول)) انتهتْ تظاهرة عام68 بالقبض على بعض الطلبة والعمال..كما هومعروف عن النظام الناصرى القمعى..وعاد من تمكن من الهروب من الشرطة إلى بيوتهم وتمّ إغلاق تلك الصفحة المجيدة من تاريخ شعبنا إلى لاشىء لصالح الحقيقة ولصالح الوطن..وكانت النتيجة الوحيدة اعتقال الشرفاء.

    المثال الثانى: انتفاضة شعبنا فى شهرطوبة/ يناير1977، التى أطلق عليها السادات (انتفاضة الحرامية) وانضم إليه شيوخ الأزهر..والنجم التليفزيونى الشيخ الشعراوى..وتلك الانتفاضة الشعبية كان من الممكن أنْ تتحوّل إلى ثورة– بدون أية مُبالغة- لوكانت قوى اليسارمنظمة وحاضرة منذ بداية الأحداث التى خرجتْ عفوية..ولم يكن لأى قوى سياسية أوحزبية أى دورفى خروج الجماهير، من كافة الطبقات الشعبية، بل والشيىء المُـدهش والعظيم فى دلالته أنّ تلك الانتفاضة سرتْ كما النارالتى يؤججها الهواء، حيث انتقلتْ من القاهرة..وبالأدق من منطقة حلوان الصناعية، ثم انتشرتْ فى كل محافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان..والأكثردهشة أنّ الشعارات كانت واحدة..كما لوأنّ الجماهيرتقرأ من سيناريوتـمّ إعداده قبل الأحداث..وبينما اتهم السادات وحكومته الماركسيين بأنهم هم الذين أشعلوا نيران الانتفاضة وحرّضوا الجماهيرإلخ، فإنّ بيان حزب التجمع اليسارى اعترف بأنّ الأحداث ((كانت رد فعل تلقائى من الجماهيرالتى تـُعانى من تعقد الظروف المعيشية، فى محاولة للتعبيرعن رفضها للقرارات الاقتصادية..ورفض الزيادة فى أسعارالسلع الأساسية..والتى امتصتْ أضعاف العلاوات المُـقررة للعاملين فى الحكومة والقطاع العام)) (نقلاعن العضوالقيادى بحزب التمجمع (حسين عبد الرازق) فى كتابه (مصرفى 18، 19يناير77) دارشهيد– ط 3- عام 1985- ص93) والسؤال الذى تتجاهله الثقافة المصرية السائدة هو: ما نتيجة تلك الانتفاضة الشعبية المجيدة؟ النتيجة المؤكدة القبض على المئات من العمال والطلبة والصحفيين..وبعد الافراج عن معظمهم تم تقديم 175 إنسانــًا لمحكمة أمن الدولة العليا. تلك هى النتيجة المؤكدة، أما أثرتلك الانتفاضة على المستوى المعيشى لشعبنا، فالنتيجة صفر، لأنّ السادات– بخبثه وخبرته مع قوى الاستعمار العالمى، أعلن تراجعه عن زيادة الأسعار، فابتلع شعبنا الطـُعم وعاد الناس إلى بيوتهم. وبعد عدة شهورارتفعتْ الأسعارمن جديد تحت شعار(تحريك الأسعار) والدرس المُستفاد أنه لم يحدث أى تغييرعلى مستوى معيشة الجماهيرالشعبية..وهذا يدل على أنّ اليسارالمصرى ليس له أى دورفعـّـال، فلم يكن له دورفى تحريك الجماهيرللاحتجاج على زيادة الأسعار، كما أنه يفتقد أدنى درجة من درجات التأثيرعلى السلطة الحاكمة التى سمحتْ لليساربإنشاء حزب (مُـعارض) بشرط أنْ تكون مُعارضة مُستأنسة.

    المثال الثالث: ماحدث فى شهرطوبة/ يناير2011، وبدون الدخول فى التفاصيل، فإنّ المستوى المعيشى للجماهيرالشعبية، ظلّ كما هودون تغييريُذكر، فكانت نتيجة تلك الانتفاضة العظيمة صفر، رغم مئات الضحايا الذين قـُـتلوا على يد الشرطة وعلى يد الأصوليين الإسلاميين..وهذا دليل جديد على غياب أى دورفعـّـال لليسارالمصرى، لأنه لوكان له تأثير حقيقى على حركة الجماهير، كان عليه أنْ يُقنع تلك الجماهيربعدم مغادرة الميادين إلاّبعد تحقيق مطالبهم التى عبروا عنها فى شعاراتهم (حرية..عدالة اجتماعية..ارفع راسك فوق إنت مصرى إلخ) لم يفعل اليساريون أى شىء لمنع الجماهيرمن مغادرة الميادين..وهللوا لبيان عمرسليمان عن (تنازل) مبارك (الشكلى) عن الحكم مع (التوصية) بتولى المجلس العسكرى إدارة شئون البلاد، وهوأمرينطبق عليه ما قيل عن (وعد بالفور): من لايملك أعطى لمن يستحق، لأنّ مبارك سقط بعد خروج الملايين ضده..وإدارة شئون البلاد تؤول– وفق الدستور- إلى رئيس مجلس الشعب أورئيس المحكمة الدستورية. فكانت النتيجة أنّ المجلس العسكرى سلــّـم الحكم للإسلاميين بناءً على رغبة الإدارة الأمريكية..وتجرّع شعبنا مرارة الهزيمة (هزيمة انتفاضته الشعبية) التى كان من الممكن أنْ تتحول إلى (ثورة) لوكانت معه (قيادة روحية) مؤمنة بمطالبه العادلة، وكان المُـفترض أنْ يكون اليساريون هم تلك (القيادة الروحية) بحكم خبرتهم السابقة فى (العمل الجماهيرى) منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين.

***

    كتب كثيرون من اليساريين تحت عنوان ثابت عدة دراسات ومقالات عن (أزمة اليسار المصرى) وعندما تابعتُ كتاباتهم وجدتها تدوحول المحاورالتالية: 1- الاستعمارالعالمى ومعاداته للشيوعية 2- بشاعة النظام المصرى– قبل وبعد يوليو1952- ضد الشيوعيين 3- الاعتقالات والضرب حتى الموت خاصة فى معتقلات عبد الناصر. تلك هى أهم المحاور، وإنْ كان البعض زايد فأضاف ((سقوط النمط الاشتراكى السوفيتى، والسيولة الطبقية التى حدثت فى المجتمع المصرى وجعلتْ مهمة اليسارصعبة للغاية فى مخاطبة الجماهير)) (د.أيمن يحيى فى كتاب (حوارات اليسارالمصرى من أجل نهوض جديد– مجموعة أبحاث– مركزالبحوث العربية والإفريقية- مكتبة مدبولى– عام 2006- من ص23- 29) وأضاف د.يحيى سببًا عجيبًا هو ((التدفق الرأسمالى للاستثمارات الخليجية)) وأعتقد أنّ ما حدث كان من المفترض– فى حالة وجود حقيقى لليسارالمصرى– أنْ يكون عاملا مُساعدًا لتقوية نضال الطبقة العاملة ضد الاستثمارالعربى فى مصر، وتسبب فى تخريب الاقتصاد المصرى، وبالتالى كانت الفرصة مُـتاحة أمام اليساريين لمقاومة الغزوالاستثمارى/ النهبوى العربى، ولكنهم لم يفعلوا وصنفوا ما حدث ضمن (أزمة اليسارالمصرى) ولكننى أتفق مع د.يحيى فى أنه من بين أسباب أزمة اليسار المصرى ((وجود يساررسمى تابع للسلطة)) فى إشارة إلى حزب التجمع (اليسارى) بقيادة خالد محيى الدين ورفعت السعيد..وقال د. أحمد الأهوانى أنّ أزمة اليسارالمصرى ترتبط بأزمة اليسارالعالمى (ص34) وتطابق معه د.حسنى أمين (ص36) وأعتقد أن كلامهما إنشائى وغير موضوعى بدليل نجاح اليسارفى بعض دول أميركا اللاتينية، ونتج عنه ارتفاع المستوى المعيشى للجماهير، واتساع مساحة الحرية الشخصية والسياسية.

    وكان أ.إبراهيم الحسينى أكثرصدقــًا من غيره عندما قال ((الخطاب عن أزمة اليسار المصرى نسمعه من ربع قرن)) وأضاف ((وأعتقد أنّ اليسارالمصرى لايمتلك استراتيجية فكرية..ويشغلتى سؤال آخرحول حجم الانتاج الفكرى لليسارالمصرى..واليسارالمصرى  مُـستهلِـك لأفكارالآخرين ولايمتلك رؤية فكرية حول آليات التوسع الرأسمالى فى المنطقة أوفى مصر)) (ص37) هنا أيضًا فإنّ أ.الحسينى– رغم أهمية كلامه عن الانتاج الفكرى لليسار المصرى، إلاّ أنه حصرغياب الرؤية الفكرية فى (التوسع الرأسمالى) ولم يتطرق لأهم سبب– فى رأيى– وهوغياب الرؤية الفكرية لمكونات الشخصية المصرية– وفق علم الأنثروبولوجيا وبناءً عليه ابتعد شعبنا المصرى عن اليسار..وأعتقد أنّ (تهمة الإلحاد) التى روّج لها النظام الناصرى ضد الشيوعيين..والتى اعتبرها اليساريون أحد أسباب أزمة اليسارالمصرى، فيها قدرمن الحقيقة وقدرمن المُبالغة، فلوأنّ اليساريين اجتهدوا فى ترسيخ (حرية المُـعتقد) وأنّ الدين (شىءشخصى) بينما إدارة المجتمع لاعلاقة لها بالدين..وكان د.عبد المحسن حموده واعيًا بتلك العلاقة حيث قال ((أين كان اليسارالمصرى عندما كانت الفاشية تتسرب فى المجتمع المصرى، خاصة الفاشية المُـتسربلة بالدين؟ وأنّ اليسارالمصرى لم يستطع ملء الفراغ، كما فعل الليبراليون قبل يوليو1952. والجميع الآن يؤيدون الإخوان المسلمين بما فيهم حزب الوفد (الجديد) والناصريون من باب المُحافظة على الرقبة)) (ص38)

    وكانت الكارثة عندما اعتبراليسارى (تامروجيه) أنّ حصول الإخوان المسلمين على 88 مقعدًا فى مجلس الشعب عام 2005((مؤشرجيد على اتساع مساحة المُـعارضة للنظام، وأنّ الجماهيرالتى صوّتتْ للإخوان تـُعبرعن الانتقال من حالة السكون إلى حالة الحركة وهى صورة تؤكد أنّ الجماهيرتسعى للتغيير)) (ص40) كارثة أنْ يرى (اليسارى) أنّ الإخوان المسلمين (معارضة) ضد النظام..وعندما كتب د.رفعت السعيد– وغيره– عدة مقالات فى صحيفة الأهالى التابعة لحزب التجمع، وانتقدوا جماعة الإخوان المسلمين، فإنّ اليسارى (د.إبراهيم العيسوى) اعتبرتلك المقالات ((استراتيجية خاطئة..ومن مصلحتنا ومصلحة الوطن الاعتراف بحق الإخوان فى تكوين حزبهم السياسى بدلامن تخوينهم..وعلينا أنْ ننتظرلنرى ممارستهم الفعلية فى البرلمان)) (من ص43- 52) فما رأى د.العيسوى بعد جرائم الإخوان المسلمين التى ارتكبوها فى حق الوطن بعد يناير2011؟ واعترف المناضل الشيوعى نبيل الهلالى بأنه عندما ارتفع صوت القائد النقابى اليسارى (عطيه الصيرفى) مُـناديًا بالتعددية النقابية، تعرّض لهجوم حاد من داخل صفوف اليسار، بحجة أنّ التعددية ستـُـفتتْ وحدة الحركة النقابية..وأضاف الهلالى أنه عندما شرع اليسارفى إقامة اتحاد عام للفلاحين، فإنّ حزب التجمع (اليسارى) أجهض تلك المُحاولة..وأنّ قيادة حزب التجمع هى المسئولة عن مُحاصرة وخنق الاتحاد الوليد..ولم يفعل اليسارشيئـًا مع الحركة الطلابية وترك الأمرللإخوان المسلمين)) وأضاف الهلالى ((وأتوقع أنْ يُركزالإخوان فى المرحلة القادمة على بناء الدولة الدينية من أسفل، عن طريق إشاعة الأفكار والثقافة والتقاليد التى تخدم الدولة الدينية)) (من ص53- 62) أما أ.أحمد بهاء شعبان فقد لخص أزمة اليسارالمصرى فى 1- الانقسامية والتفتت 2- البُـعد والعزلة عن الجماهير 3- غلبة الاتجاهات الاصلاحية 4- غياب الديمقراطية الداخلية (ص72) واعترف أ.عبد الغفارشكربأنّ أهم نقطة يُعانى منها اليسارالمصرى هى التفتت والعجزعن بناء تحالف يسارى حقيقى (ص82) وفى دراسة طويلة للكاتب اليسارى (د.إبراهيم العيسوى ركــّزعلى محاربة الهيمنة الأمريكية/ الصهيونية..وأنّ هدف اليسارهوالوحدة العربية (من223- 237) واتفق معه أ.حسن شعبان فقال: هناك قضايا لانملك ترف الاختلاف حولها من بينها ((الوحدة العربية)) (ص266) أما الشيوعى الفنان خالد حمزة فقد عزف عزفـًا منفردًا لم يتطرق إليه غيره من الشيوعيين حيث ركــّزعلى ضرورة ((تمصيرالماركسية باعتبارها علمًا وليست كهنوتـًا وجعلها غرسًا نابتـًا من تربة مصرية لها خصوصيتها فقد مصــّـرجدودنا العظام المسيحية والإسلام)) (من 63- 70)

    وفى ملف كامل عن أزمة اليسارالمصرى تعرّض أ.أحمد بهاء شعبان لآراء بعض اليساريين فنقل عن د.محمود أمين العالم ((مُـعضلة اليسارالماركسى أنّ مستواه الفكرى مازال أكبرمن قدراته التنظيمية..وأنّ المعارضة اليسارية– فى كثيرمن الأحوال- ((أقرب إلى المعارضة الكلامية)) أى أنّ محمود العالم اهتـمّ باتنظيم..ولم يـُـناقش (نوع المستوى الفكرى) الذى هوعند اليساريين مع العروبة ضد القومية المصرية. أما د.مراد وهبة (رغم أنه من دعاة العلمانية) فإنه أرجع الأصل العميق لأزمة الحركة اليسارية إلى عدة عوامل أبرزها ((كامن فى التراث المصرى من حيث هومُـتخلف، ومحكوم بالفكرالأسطورى من الحضارة الفرعونية)) (مجلة الثقافة الجديدة- عدد مايو 2015) أى أنّ سيادته مع كل أعداء الحضارة المصرية، ورغم دفاعه عن (الحضارة اليونانية) فإنه لم ينتبه إلى أنها كان بها الكثيرمن (الفكرالأسطورى) كما أنه أخطأ عندما قال (الحضارة الفرعونية) لأنه وفق علم المصريات اسمها (الحضارة المصرية) لأنّ مصطلح (فرعون) من اختراع الديانة العبرية بشُـعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) حيث أنّ المصطلح فى اللغة المصرية القديمة (بر- عا) بمعنى مقرالحكم مثل (البيت الأبيض) أوالقصرالجمهورى..وباقى المقالات فى ملف المجلة لايخرج عن المحاورالتى تناولتـُها فى الفقرات السابقة.

***

    أود الإشارة إلى أننى تعمدتُ الاختصار، كما أننى لم أتعرض لكتابات اليساريين فى كتب أخرى ومجلات أخرى، ورغم عشرات الدراسات وعشرات المقالات التى قرأتها لهم، اكتشفتُ غياب أهم عنصرفى أسباب فشل الحركة اليسارية المصرية، وهوعنصر(الخصوصية الثقافية القومية لشعبنا المصرى) باستثناء الفنان خالد حمزة حيث تكلم عن (تمصيرالماركسية) ولكنه لم يتطرق إلى الخصوصية الثقافية المصرية..وما أقصده بالخصوصية الثقافية هوالوعى بمكونات الشخصية المصرية (بعيوبها ومزاياها) وفق علم الأنثروبولوجيا (وهوعلم تجاهله الماركسيون تمامًا) فكانت النتيجة أنهم لم يفهموا طبيعة الشخصية المصرية، فهاجموا وأدانوا ممارسات الملايين من شعبنا، وركــّـزوا هجومهم على أهم مظاهر(الوحدة الوطنية) التى جمعتْ بين المسلمين والمسيحيين، أى (ظاهرة الموالد) حيث الاحتفال بالأولياء (بغض النظرعن تاريخهم وسيرتهم) ولأنّ أغلب اليساريين المصريين لم يدرسوا التاريخ المصرى، فقد غاب عنهم أنّ ظاهرة الموالد انتقلتْ من مصرالقديمة حيث الاحتفال بالآلهة المصرية، ثم انتقلتْ إلى الاحتفال بالقديسين ثم الأولياء المسلمين..وتجاهل اليساريون المصريون أنّ ظاهرة الموالد تؤكد إيمان شعبنا بالتعددية، حيث يتوجه سكان القاهرة إلى طنطا للاحتفال بمولد السيد البدوى، وأنّ سكان طنطا يتوجهون إلى القاهرة للاحتفال بمولد السيدة زينب وشقيها الحسين..إلخ وهوما يحدث ويتكررفى كل محافظات ومدن وقرى مصر.

    كما أنّ الجانب الايجابى والأهم فى ظاهرة الموالد، فهوأنّ شعبنا مع التعددية الدينية وضد تكفيرالآخرالمُـختلف، والدليل مُستمد من ظاهرة اشتراك المسلمين والمسيحيين فى المولد الواحد، حيث يحضرالمسلمون أعياد الأحتفال بالقديسين، ويحضرالمسيحيون أعياد الاحتفال بالأولياء المسلمين..أما الكارثة الكبرى فهى إدانة الماركسيين لتلك الظاهرة عندما ركــّزوا على أنها ((خرافة)) أما الإسلاميون فقد أدانوا الظاهرة لأنهم اعتبروا الموالد ((ضد الدين)) فتطابق اليساريون والإسلاميون ولكن من منظوريْن مُـختلفيْن.

    وظاهرة الموالد مجرد مثال وحيد من بين عشرات الأمثلة عن الخصوصية الثقافية لشعبنا والتى تجاهلها اليساريون المصريون، مثل خصوصية النكتة المصرية والمثل الشعبى المصرى والموال المصرى والاحتفال بسبوع الطفل وخميس وأربعين المُـتوفى إلخ..وأعتقد أنه لوأّنّ اليساريين المصريين اهتموا بتلك المظاهرودرسوها دراسة علمية- بغض النظرعن الرأى الشخصى للباحث– لعرفوا طبيعة الشخصية المصرية، وبالتالى كان يسهل عليهم الدخول إلى أغوارتلك الشخصية، ومع استخدام لغة بسيطة تتناسب مع مستوى العمال والفلاحين، كان بإمكان اليساريين النجاح فى إقناع الجماهيرالشعبية بأهمية تغييرالمنظومة السياسية لصالحهم، مع مراعاة عدم التعرض للفلسفة الماركسية أوأى كلام عن تطورالمجتمعات من المشاعى إلى البدائى إلى الاقطاعى إلى الرأسمالى إلى الاشتراكى وصولا لآخر مجتمع (المجتمع الشيوعى) أى المجتمع اللاطبقى وهوأضعف محاورالماركسية لأنه طوباوى وغيرقابل للتحقق..ولكن– بكل أسف– فإنّ اليساريين المصريين تعاملوا مع الجماهيرالشعبية على أنهم (تلاميذ) فى مدرسة الاشتراكية والشيوعية فابتعد العمال والفلاحون عنهم وارتموا تحت أقدام الإسلاميين.

    وكما كتب الإسلاميون أنّ الحضارة المصرية قامتْ على (السخرة) كتب كثيرون من الماركسيين (المصريين) نفس الكلام، مع تجاهلهم لعلمىْ المصريات واللغويات، ولوأنهم أعطوا علم المصريات– على الأقل– بعض الوقت لعلموا أنّ حكاية (السخرة) أصلها الديانة العبرية بشُـعبها الثلاث..ولأنهم لم يفعلوا فإنّ كثيرين منهم هاجموا (القومية المصرية) وصدقوا مزاعم البكباشى عبد الناصر، حيث روج هووبطانته من الناصرين والعروبيين ل (الوحدة العربية) وتوأمتها (القومية العربية) والتركيز- بكل فجاجة- على أنّ شعبنا المصرى (عربى) وظلّ الماركسيون (المصريون)  يُطنطنون ب (العربى) لدرجة أنّ أحدهم (فؤاد حداد) كتب أنّ الأرض (بتتكلم عربى)) ومع سعيرالنشيد (العروبى) أدار شعبنا (المصرى) ظهره لكل فصائل اليسار، فكانت النتيجة أنّ البعض آمن بالليبرالية والغالبية ارتمتْ تحت أقدام الإسلاميين. فهل يستطيع اليسارالحالى إعادة النظرفى آرائه والتخلص من كابوس العروبة، كما كتب المفكرالكبيرإسماعيل أدهم؟ (الأعمال الكاملة- دارالمعارف المصرية- ج3- عام1986- ص34، 65، 177، 430)

طلعت رضوان

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك