مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

آفة الأحادية وأثرها على البشرية

الكاتب الأستاذ طلعت رضوان يكتب :

     ابتلتْ البشرية بعدة آفات أخــّـرتْ مسيرة التقدم والحرية والتنمية..وهذه الآفات تبدومثل التوائم المُـتماثلة..من بينها آفة (ثوابت الأمة) وفى تحليل مضنونها، يستخلص العقل الحرأنّ نتيجتها المُؤكدة السكون والثبات وكل معانى الجمود..وبالتالى فإنّ المؤمنين بتلك الآفة (ثوابت الأمة) فإنّ مصيرمجتمعاتهم الانقراض..مثل الديناصورات التى هزمتها قوانين الطبيعة..ثم يأتى التوأم الثانى (الإيمان بالمُـطلق) وهوما يعنى رفض (قانون النسبية) وأنّ هذا القانون هوالذى نقل المجتمعات المُـتقدمة من التخلف إلى التطور..من الإيمان بالخرافات إلى الإيمان بالعـــلم..وفى نهاية المطاف آمن المؤمنون بقانون النسبية بأن (المُـطلق) خرافة من خرافات الميتافيزيقا..ثم جاء التوأم الثالث (الأحادية)

      أثبتتْ تجارب البشرأنّ الأحادية تعنى الجمود، الذى يعنى عدم التفاعل مع الطبيعة ومع المتغيرات الاجتماعية ومع بنى الإنسان..وأنّ عدم التفاعل يؤدى إلى الاستسلام للثبات..وبهذا الاستسلام تكون البشرية توقفتْ عند المجتمع (قبل الإنسانى) فلوأنّ الجدود لم يستجيبوا لقانون التطور، لكان البشر(حتى الآن) يأكلون اللحم نيًا ويعيشون فى الخيام وينامون فوق الأشجار،  وبالتالى لم يكن بوسع الإنسان فى العصورالقديمة (فى ظل الثبات) أنْ يتوصل إلى أهم الاكتشافات التى نقلتْ المجتمعات من مرحلة إلى أخرى أرقى، أى اكتشاف الزراعة التى كانت السبب فى اختراع أدوات العمل..وبعد الزراعة توصل إلى المنجزالحضارى الثانى، أى اختراع (الكتابة) كأداة للتواصل الإنسانى، وهوالدورالرائد الذى قام به جدودنا المصريون القدماء باعتراف علماء علم المصريات.

     إنّ الحياة التى ترفض التفاعل مع الطبيعة،  أومع المتغيرات الاجتماعية..هى أبسط أشكال الأحادية. إذْ أنه بعد أنْ تجاوزت البشرية هذه المرحلة، انتقلتْ إلى مرحلة أخرى ساد فيها أخطر أشكال الأحادية: أحادية الفكرالتى ترفض استخدام العقل، الذى يظل لقرون أسيرخرافات السلف عن الآلهة التواتم.

     وأخطرما فى هذه الأحادية انغلاق العقل..والأدق إلغاء العقل، الذى  يسيطرعليه آخرون يفكرون بالنيابة عنه..ولوأنّ هذا الاعتزازبما يراه ويؤمن به، اقترن بالاعتراف بالمختلف معه دينيًا واجتماعيًا وفلسفيًا، لتجنّبتْ البشرية أخطرجرثومة تقتل الاستقراروالتقدم، إنها جرثومة التعصب الذى بسببه تم اغتيال الفيلسوفه المصرية (هايباتيا) عام 415على يد المسيحيين الذين سبق أنْ شربوا من كأس التعصب السام على يد الرومان. ولم يهتم المسيحيون الأتقياء بدورها فى مجال العلوم الطبيعية والفلسفة. ولم يهتموا بأنّ علماء العالم كله كانوا يحرصون على حضور محاضراتها فى جامعة الإسكندرية. لم يهتموا بكل ذلك وأصروا على اغتيالها وتمزيق جسدها بعد أنْ عروها من ملابسها، لأنها دافعتْ عن الديانة المصرية والفلسفة اليونانية. وبسبب التعصب تم حرق العالم والفيلسوف جوردانو برونو فى ميدان روما مع مطلع عام 1600لأنه أيّد نظرية كوبرنيكوس وجاليليو. وكتب أنّ السلام لن يسود البشرية إلاّ إذا اعتنقتْ ديانة مصرالقديمة المؤسسة على التسامح والتعددية. وبسبب التعصب تم اضهاد كل من الشافعى وأبى حنيفة وابن حنبل والأخيرتعرض للضرب بسبب محنة (خلق القرآن) وتعرّض ابن عربى للاضطهاد لأنه أجازإمامة المرأة للصلاة للرجال والنساء وأنّ تارك الصلاة ليس عليه قضاء، رغم كتبه المهمة مثل (الفتوحات المكية) و(التدريبات الإلهية) وأشعاره التى تدعوللتسامح مثل ((لقد صارقلبى قابلا كل صورة/ فمرعى لغزلان وديرلرهبان/ وبيت لأوثان وكعبة طائف/ وألواح توراة ومصحف قرآن/ أدين بدين الحب أنّى توجّهتْ/ ركائبه فالحب دينى وإيمانى)) رغم ذلك ناله سهم التعصب فكفره السخاوى والتفتزانى وابن حجرالعسقلانى وابن حيان وغيرهم، فتأثرالجمهور بالفقهاء لدرجة أنْ كانوا يبولون على قبره. وتعرّض عبد الحميد الكاتب بوضع طاسة محمية على رأسه حتى مات. وتعرّض ابن المقفع لتقطيع أعضاء جسده ورمها فى الناروهوينظرإليها (بالضبط كما حدث مع هايباتيا، مما يؤكد أنّ التعصب واحد فى كل الأديان) وتعرّض الحلاج الذى حاول التوفيق بين الدين والفلسفة اليونانية للتكفير. وبعد سجن دام 8سنين وضربه بالسياط ثم أخيرًا صلبه وقطع رأسه وحرق جسده، ورغم اجماع القضاة على تكفيره اعتبره الناس (العاديون) من المصلحين. وفى القرن 12م- 6هـ كانت أشد حملة على الفلاسفة فى دولة نورالدين ودولة صلاح الدين الأيوبى. وكان فى دولتيهما سلطان قوى للكهنوت الدينى من الفقهاء والأشعرية، وهم معروفون بعدائهم الشديد للفلسفة، فاستباحوا دم كثيرين مثل السهروردى الفيلسوف الذى قـُتل بأمرصلاح الدين الأيوبى. ورغم أهمية ابن رشد فإنه لم يحاول إصلاح الحكم أويُزيل العصبية بين المسلمين ولم يحاول نشرالتسامح بين الفرق الدينية. بل إنه لم يتورع عن رميها بالضلال والكفر. أما أبوالفرج الجوزى فقد كان حنبلى المذهب، فكان يذم التأويل فى الدين. وفى سبيل تكريس الغيبيات قال ((إنّ الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)) وابن حزم الأندلسى كفـّرالصوفية. والإمام الغزالى شنّع على الفلسفة وكفـّرالفلاسفة مع أنهم كانوا يرون أنّ الفلسفة لاتتنافى مع الإسلام. وحتى ابن سينا لم يسلم من الطعن عليه فى دينه وتكفيره، لأنه وقع فى ذات الخطأ المثالى، عندما حاول التوفيق بين الدين والفلسفة، وبينما انتقده الفلاسفة بشكل مهذب وعلمى وقالوا عنه أنه كان ((قصيرالنظر)) فإنّ الكهنوت الدينى كفـّره وتم تصنيفه على أنه ((من بين الزنادقة)) وبسبب التعصب فإنّ الحجاج بن يوسف الثقفى قتل معبد الجهنى لأنه كان يقول ب ((القدر)) أما الخليفة هشام بن عبدالملك فهوالذى أمربقتل غيلان الدمشقى لأنه ((أول من تكلم بالقدر)) وقبل قتله أمربقطع يديه ورجليه وصلبه.

    وحتى الإمام الشافعى لم يسلم من التعصب عندما قال ((كل قرشى غلب على الخلافة بالسيف واجتمع عليه الناس فهوخليفة)) وكان تعليق الأزهرى المستني(عبدالمتعال الصعيدى) إنّ ((من يأخذ حقه بالسيف يكون مغتصبًا. واجماع الناس عليه بعد ذلك لايصح أنْ يُسوّغ ما وقع فيه لأنه يكون ناشئـًا عن عجزهم)) وبسبب التعصب قال سفيان الثورى ((إذا نكح (= تزوج) المولى (= غيرعربى) امرأة عربية يُـفسخ النكاح)) (عبد المتعال الصعيدى فى كتابه (المُجددون فى الإسلام- من القرن الأول الهجرى إلى القرن الرابع عشر- طبعة هيئة قصورالثقافة- عام 2007- أكثرمن صفحة) وعندما رأى بعض المسيحيين المصريين (بعد أنْ اعتنقوا الإسلام) الانتساب للعرب وقدّموا رشوة لأحد القضاة العرب الذى وافق ونسّبهم إلى قبيلة عربية اسمها (حوتكة من قضاعة) فثارالعرب المقيمون فى مصر. وهجا شعراؤهم القاضى العمرى هجاءً خشنـًا ومن بين هؤلاء الشعراء (المعلى بن المعلى الطائى) الذى قال موجهًا حديثه للقاضى ((تقضى نهارك بالهوى/ وتبيت بين مغنياتك/ فاشرب على صرف الزمان/ بما ارتشيتَ من الحواتك/ إنْ كنت قد ألحقتهم/ عربًا، فزوجهم بناتك)) ولذا قال العرب فى أمثالهم الشائعة والمنتشرة فى مصر((يأكلها التمساح ولايأخذها الفلاح)) إشارة إلى المصرى، رغم أنّ المصرى كان يُزوّج بناته للعرب. وأبو الحسن الأشعرى بعد تبحره فى الاعتزال صعد إلى المنبروقال ((اشهدوا علىّ أنى كنتُ على غير دين الإسلام. وإنى قد أسلمتُ الساعة)) وكان تعليق الأزهرى المستنيرعبد المتعال الصعيدى ((وحينئذ يكون المعتزلة فى نظره كفارًا لامسلمين. وكان الأجدربه ألاّيتنكرلمذهب مكث معتقدًا صوابه أربعين سنة، فلا يصح نفى الإسلام عنهم أويقال أنهم فساق مسلمون، وإنما هم مجتهدون يثابون على صوابهم ويُعذرون على خطئهم)) ورغم أنّ الإمام الغزالى كفـّرالفلاسفة، فإنّ أتباعه وصل بهم التعصب لآرائه التكفيرية لدرجة أنْ قال كثيرون من الفقهاء ((لوكان بعد النبى محمد نبى لكان الغزالى)) (أمين الخولى– المجدّدون فى الإسلام– مكتبة الأسرة– عام 2001- ص 18)  

    وفى العصرالحديث تمّ تكفيرفضيلة د.محمد حسين الذهبى وزيرالأوقاف الأسبق والتمثيل بجثته بمعرفة جماعة التكفيروالهجرة، رغم أنه قبل اغتياله بعاميْن أصدركـُتيبًا نشرته هيئة الوعظ والإرشاد بالوزارة فيه مناقشة ((بالتى هى أحسن)) من شيوخ فيهم الوزيرنفسه لمناقشة أفكار التكفيريين، وقدّمهم الكـُتيب هكذا ((إنهم فئة صالحة يلتمسون نقاء العقيدة وصلاح الدين)) ورغم ذلك تم اغتياله ((لأنه لايفهم صحيح الدين)) وبعد اغتيال فرج فوده كتب صحفى له مقال أسبوعى ثابت فى الأهرام مقالتيْن ذهب فيهما إلى أنّ فرج فودة قتل نفسه بنفسه لأنه ((فسّردورالجماعات الإسلامية تفسيرًا جنسيًا، وهذا هوخطؤه الأول. أما خطؤه الثانى فهوإتهامه لبعض أئمة المسلمين بأنهم كانوا من الشواذ جنسيًا. بل إنه فسّرإحدى آيات القرآن تفسيرًا جنسيًا وهذا هوخطؤه الثالث والقاتل..ولذا فهوركب مطية الباطل التى قادته إلى حفرة بلا أعماق)) (أهرام – 13، 20/6/92) ذاك الصحفى (الأهرامى) نظرًا لأنه أحادى الفكرسابق التجهيزكتب ما كتب دون تقديم دليل واحد من مقالات أوكتب المرحوم شهيد الفكرفرج فوده. وهل كان رفعت المحجوب والرئيس المؤمن السادات ومحاولة اغتيال أ.مكرم محمد أحمد والأديب نجيب محفوظ من الكفار؟ إنّ آفة الأحادية مثل السوس الذى ينخرتلافيف المخ، فيقضى على أجمل وأنبل ما فى الإنسان، أى قدرته على التمييزبين الصواب والخطأ، قدرته على التعايش مع المُختلفين عنه دينيًا ومذهبيًا وفلسفيًا، قدرته على الإيمان بأنّ التعددية (وليستْ الأحادية) هى رافعة التقدم وضمانة الحرية.         

طلعت رضوان

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك