مكتب النمر للالستشارات الطيبة الشرعية

الدكتور / ماجد لويس النمر

مساعد كبير الاطباء الشرعيين ورئيس منطقة الطبية الشرعية بالقاهرة

01223325378

مجتمع انتفاضة يناير2011 الذى تـمّ اجهاضه

الكاتب الأستاذ طلعت رضوان يكتب :

    يكمن سرنجاح انتفاضة يناير2011فى تحويل ميدان التحريرإلى بوتقة للثقافة القومية المصرية طوال 18يومًا ، فرغم برد طوبة وعواصف أمشيرأصبح الميدان هو(البيت المصرى) الذى قاوم بالرقص والغناء والنكتة. نجحتْ الانتفاضة بعد أنْ تحوّل الميدان إلى (قارة صغيرة) للدفء الإنسانى. وبعد الحبس الاحتياطى للقتلة والمفسدين ، تصاعدتْ الأصوات المطالبة بإعدامهم. ويتغافل أصحاب هذه الدعوة أنّ كثيرين تم إعدامهم ثم تبيّن براءتهم ، كما أنّ (الإعدام) أستخدم كثيرًا لأسباب سياسية كما حدث فى إيران الخومينية والسودان وليبيا ( عقوبة الإعدام ضد حقوق الإنسان – من مطبوعات منظمة العفوالدولية- عام 89 أكثرمن صفحة) ومصر(مصطفى خميس ومحمد البقرى شهداء كفرالدوارعلى أيدى ضباط يوليو52) وفى الولايات المتحد الأمريكية تم إعدام 23 إنسانًا فى عام واحد ثم تبين براءتهم (المصدرالسابق- ص31) وكما أبدع شعبنا فى الفن (مجهول المؤلف) فلماذا لايكون الإبداع فى التشريع أيضًا ؟

الإعدام أم عودة الأموال المنهوبة ؟

    أليس الإعدام مكافأة سخية للقاتل ؟ أليس هوالراحة الأبدية ، عكس (السجن) الذى ينتقل إليه القاتل والفاسد من عيشة القصورليعرف معنى النوم على (البرش) الذى نام عليه سارقو حبال الغسيل ؟ أليس السجن هو(عذاب الضمير) كما يقول علماء علم النفس ؟ لنتخيّل القتلة والذين أفسدوا واقعنا السياسى وهم يُعيدون (شريط) حياتهم ويتذكرون (حجم) الجرائم التى ارتكبوها فى حق شعبنا . وهل الإعدام سيمنحنا فرصة استعادة الأموال المنهوبة ؟ لاشك أنّ عودة تلك الأموال مطلب شعبى لاخلاف عليه. فكيف يتم ذلك إذا تم الإعدام ؟ لذلك فإننى أميل إلى رأى بعض القانونيين الذين رأوا أنّ السجن هوالوسيلة الفعالة للضغط على الجانى (سيكولوجيًا) للكشف عن البنوك وأرقامه السرية واستخدام بصمة الصوت إلخ . والسجن الذى أقصده هو سجن (الغلابه) من أبناء شعبنا الذين تُجبرهم الظروف على اختلاس بضعة جنيهات أو القتل فى مشاجرة بسبب رغيف عيش إلخ أقصد السجن الذى ينام فيه المسجون على الأرض أو على سرير حديد مـــــن

دورين وأحيانا من ثلاثة أدوار. ويأكل من طعام السجن (الفول بسوسه إلخ) أما السجن (سبع نجوم) الذى يعيش فيه الفاسدون من عصابة مبارك فلن يؤدى إلى النتيجة المرجوة (أى عامل الضغط النفسى) لاستعادة الأموال المنهوبة. سجن (السبع نجوم) يعطى المجرمين الاحساس بالعظمة وأنهم فوق القانون وأنّ المسئولين يُساندونهم ، والدليل هذه المعاملة الخاصة التى لاينالها إلاّ أصحاب النفوذ . ولذلك يُسيطر عليهم إحساس عميق بالافراج عنهم أو صدور أحكام (مخففة) وبالتالى لا يمكن أنْ يتنازلوا عن الأموال التى سرقوها من شعبنا ولن يُدلوا بحساباتهم السرية فى بنوك أوروبا وأمريكا .    

    فى الحضارة المصرية أبدع جدودنا عقوبة على القاتل أشد قسوة من الإعدام ، إذْ نصّتْ العقوبة على القاتل أنْ يحتضن جثة القتيل لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال وتحت إشراف حراسة لضمان تنفيذ الحكم (ول ديورانت- قصة الحضارة- ج1ص98) وعندما إنتصرتْ الثورة الصينية عام 1949كانت العقوبة التى فرضها الثوارعلى الامبراطورهى أنْ يتحول إلى (جناينى) وتقبّل الشعب الصينى هذا الحكم وتراجعتْ رغبة الإنتقام لتُفسح المجال للبعد الحضارى ، بعد أنْ تحوّل الامبراطورإلى عضونافع يعمل بيديه ، مثله مثل باقى أبناء الوطن.

    ونظرًا لأنّ وظيفة (جناينى) لايستحقها قتلة شعبنا أومن نهبوا المال العام ، لذلك أقترح أنْ تكون العقوبة عليهم (بعد إدانتهم بواسطة جهات تحقيق قانونية ومحاكمة محايدة وعادلة) أنْ يتحوّلوا إلى عمال نظافة وعمال فى مصلحة المجارى . وأعتقد أنّ هذه الوظائف (الشريفة) هى (المطهر) الحقيقى الذى يُزيل (جراثيم) النفس البشرية من صدوركل من أجرم فى حق شعبنا ، وفى نفس الوقت هى عبرة لكل صاحب نفوذ سياسى أواقتصادى ، يُفكرفى توظيف جراثيمه العقلية والنفسية ضد شعبنا. عبرة تقول بكل وضوح : إنّ انتفاضة يناير2011خلقتْ مجتمعًا جديدًا ، لافرق فيه بين مواطن ومواطن إلاّبعمله وليس بمنصبه أوديانته. وإنتهاء عهد النظام الذى يتبنى نهج عصابات المافيا العالمية. وإنتهاء منظومة (سادة وعبيد) كما قال مديرأمن البحيرة وهويُصدرتعليماته لمرؤوسيه (فى شريط فيديومصورومنشورعلى موقع جريدة البديل) حيث قال لمن يُنفذون تعليماته ((مخطط السيطرة على الحكم لم يكتمل.. وإحنا أسيادهم.. واللى يمد إيده على سيده ح نضربه بالجزمه ونقطعها.. ومافيش أى عرص يقدريقرّب منكم)) (صحيفة الأخبار1/3/2011 ص4) وقتها طالبتُ من النائب  العام تحريك الدعوى الجنائية ضد هذا الضابط ، لأنه إذا كان من يسب فردًا واحدًا تُقام ضده دعوى سب وقذف ، فما بالنا بشخص يسب شعبًا بأكمله بل ويزدريه ويعتبرشعبنا من (العبيد) وطبعًا لم يتحرك النائب العام ، ولا تحركت منظمات حقوق الإنسان . هذا الضابط يجب أنْ تكون عقوبته تحويله إلى مصلحة المجارى مع القتلة والمفسدين . أرجوأنْ يُناقش الرأى العام اقتراحى ، ليكون إضافة لثورة شعبنا ، فتعلم الشعوب الحرة أنّ شعبنا المصرى عندما رفع شعار(سلميه.. سلميه) لم يكن مبدعًا فقط فى تسطيرحروف ثورة ، كان أحد طرفيها يملك كل أدوات القمع الاعلامية والتعليمية والبوليسة ، بينما الطرف الآخركان سلاحه الوحيد (أناشيد الحرية) لولادة مصرجديدة ، يختفى منها كل أشكال التمييز(الدينى والطبقى) لم يكن شعبُنا مبدعًا فقط فى ثورته وإنما أيضًا مبتكرًا لأشكال من العقوبات ، تنزع رغبة التشفى اللاإنسانية من جهة وتُحقق مبدأ القصاص العادل من جهة أخرى . فهل يرتفع المشرع إلى مستوى تجليات شعبنا فى الإبداع ، فينتقل من مرحلة العقوبات البدينة والمقيدة للحرية ، إلى مرحلة التطهربالعمل ؟ وللأسف فإنّ مجتمع الانتفاضة تـمّ اجهاضه على يد المجلس العسكرى بالتعاون مع الإسلاميين والإدارة الأمريكية.

طلعت رضوان

تعليقات الفيسبوك

أترك تعليقك